ثقافة وفنون

هل اللغة البشرية فطرية أم مكتسبة؟ .. نشأة وتطور اللغة (3)

اللغة البشرية فطرية أم مكتسبة .. يتميز البشر بأنهم كائنات لغوية. واللغة البشرية ليست أداة للتواصل فحسب، بل هي نظام رمزي للتفكير والإدراك كذلك. فنحن لا نتوقف عن الحديث إلى أنفسنا، ولا نستخدم اللغة كوسيلة تواصل سوى بنسبة أقل من 1% من استخداماتها. لكن السؤال المهم الذي شغل علماء اللغة هو: هل اللغة البشرية فطرية أم مكتسبة؟.
يذهب نعوم تشومسكي إلى أن اللغة أعقد بكثير من أن نتعلمها بالملاحظة، بالتالي يفترض وجود مبادئ فطرية تمكن الأطفال من اكتساب اللغة.
فيما يعتقد ستيفن بينكر أن اللغة هي غريزة. بعبارة أخرى، نحن نولد ولدينا معرفة بالنحو العام، ثم نكيف هذه المعرفة مع اللغة التي نكتسبها. وثمة ملاحظات تدعم وجود هذا الأساس العام، ومنها أن التنوع الكبير في الوحدات مثل الصفات والأسماء والأفعال موجود في كل اللغات.
تستند الفرضية الفطرية على اعتقاد أن المقدرة اللغوية تدعمها جينات محددة، وتوصيلات عصبية متخصصة تطورت في الدماغ البشري نتيجة تكيفات معينة. ويعتقد نعوم تشومسكي وستيفن جاي غولد أنها منتوج ثانوي لقوانين النمو والشكل للدماغ البشري، أو نتاج ثانوي عارض للاصطفاء الطبيعي لأجل شيء آخر.
أما ستيفن بينكر فيزعم أنها تكيف وناتج مباشر للاصطفاء الطبيعي. وهنا نجد اختلافًا حاسمًا بين الفطريين! قبل أن نكمل دعنا نؤكد أن اللغة هي وظيفة عقلية، وأن المخ هو الذي يبدع العقل. ويتشكل المخ من الخلايا العصبية، تترابط فيما بينها وتتبادل المعلومات بحشد هائل من المشابك العصبية. وحركة المعلومات ليست أحادية الاتجاه، إذ أن هناك عمليات تغذية راجعة ودوائر كهربية تنتظم فيها استثارة الخلايا. وهذه الخلايا لا تتكاثر، لكنها يمكن أن تموت. ويوجد هناك دلائل على أنه يمكن زيادة زخم التوصيلات والمشابك، والتي تشكل أساس التعلم والخصائص الفكرية.
انطلاقًا من هذا الاستنتاج، عكف العديد من العلماء على ابتكار شبكات اصطناعية تحاكي خصائص العقل البشري. إن تحقيق ذلك سوف يمنحنا الكثير من الفهم لكيفية عمل العقل. وقد توصل جيف إلمان لاختراع شبكة صناعية تتعلم شيئًا يشبه النحو دون وجود قواعد قبلية متعلقة بها، بل جرى تعليمها هذه القواعد. وهذا يتعارض مع افتراضات الفطريين السابقة بأن هذه القواعد فطرية! وقد عمل مع إلمان عالمة أعصاب متميزة في هذا المجال، وهي إليسا نيوبرت.
تفترض إليسا أن الأطفال أقدر على تعلم لغات من البالغين بسبب قلة الموارد المعرفية المتاحة لهم. كما أن أطفال البشر يستفيدون من التغيرات التطورية في النمو، ففترة الطفولة تعد الأطول عند البشر بين جميع الرئيسيات، مما يتيح للمخ باحة من التعلم.
رغم ما سبق، فإن مايكل كورباليس يؤكد على أن العرض الذي قدمه إلمان ونيوبرت لا يقترب من الإمساك بكثير من دقائق النحو والمعنى. فآلة إلمان لا تفهم ما تقوله، وهذا الخلاف يفرض إجراء أبحاث مكثفة لإقناع معظم اللغويين أن سر اللغة يكمن في أنماط النمو وليس في “جينات نحوية”.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق