ثقافة وفنون

هل الفن ذاكرة للمستقبل؟

يحتفظ تاريخ الأدب بسجلات مرموقة من حيث القيمة التي تمنح لها على إثر التجديد الذي يطالها، إلا أن هناك حساسية مفرطة منا تجاه كل ما يمثل صفحات الماضي ذلك أننا نطمسه ونزيفه ونذهب نحو المستقبل والآخر كأنه ليست لنا ممارسات كتابية أدبية حولت الآلام إلى مادة خام للكتابة…

في الغالب ما يكون كل ما هو مشترك مطروح ومعرض للتلف ومن ذلك الأدب الذي يعد سوقا الخيرات الرمزية المتوالدة باستمرار.
“التراث”، “الأدب”، “الفن” هي أشياء ليست جامد فاقدة للروح بل إنها تمثل مرحلة تاريخية إن لم نقل أنها تمثل معالمنا وتحولاتنا الماضوية لذلك فإن مفهوم التجديد غالبا ما يكون بالمعنى الرومانسي، فالأدب يظل جغرافية وتاريخ وانتماء ويبرز ذلك في تدخل ذات وقناعة المجدد في المشهد عن سابق نية و لتكون النتيجة في بعض الأحيان ولدى البعض غير مقبولة على اعتبار أن قناعاتهم تظل متشبثة بمبدأ “الأرشفة والأرشيف “الذي يقابله مفهوم التخزين والتكديس…

وبعيدا عن أي فكرة التي وردت هنا على سبيل الاستهلال فقط، التي قد يراد بها إحدى التأويلات وتجاوزا لذلك فإننا نعتبر أنه ينبغي إعادة التفتيش في نصوص دون تمزيقها عن سياقاتها وامتداداتها…

العالم مندفع، متحول، ومفاجئ بمساراته الجديدة، والأدب على مر التاريخ وصف، سرد، دشن معالم فكرية واكبة هذه التغيرات بمسطرة التفكير والكلمة لذلك يطرح دائما سؤال؛

دور الأدب في التأريخ؟

لأن أي نص فهو مشحون بطاقة اجتماعية، نفسية وتاريخية أيضا ، هذا الأمر يفترض منا في أحيان كثيرة خلق لحظات ومسافات من أجل التحليل لأن ولادة أي نص هي لحظة إثبات موقف وإضفاء قيمة مضافة من هنا نجد أنفسنا أحيانا نعاني من تبعات تغييب الجغرافية والتاريخ معا مع فعل القراءة الذي يمارسه البعض كهوس ..

هيه… مالك ألا ترى؟
إنه السؤال الذي يطرحه النص عليك أثناء قراءته فأنصت إليه
مالك الا ترى حدود الجغرافيا هنا وصفحات التاريخ هنا وشخوصه؟ فلا تنغمس كثيرا في جماليات النص تجاوز سطح اللغة إلى عمق أصواتها..

“إن وجود السياق إذن ومعرفة الماضي لا يساعدان على كتابة التاريخ الفكري والأدبي فحسب بل يساعدان أيضا على استقراء المستقبل الرحيم باحتمالات غيرها وتقليل نسبة الخطأ إلى أقصى حد “1

لقد خصص عبد الرحمان منيف كتابا له عنونه بذاكرة المستقبل استعرض فيه جملة من الأعمال الأدبية التي مازالت عالقة بذاكرته _حينها_ معتبرا أن أي توجه للكتابة هو استحضار لأيقونات أدبية تحرك فكرنا… وقراءة هذا الكتاب تجعلك تمارس سلطة القارئ فتضيف لعنوان الكتاب على سبيل الاستئناس كلمة ‘الأدب’ أو ‘الفن’ ليصبح ترسيم العنوان “الأدب ذاكرة للمستقبل” (أن جاز ذلك في حق عبد الرحمان منيف). فخريطة العالمين (العالم الذي نعرفه وعالم الكتابة) هي دعوة مفتوحة للفصل والوصل؛ بين من يود إحياء عهد قد انقضى وبين من يود رسم ملامح جديدة ولو على حساب الإنسانية… والأدب من كل هذا يرسم معالم العالم ويعكس صورته بنكهات فنية مختلفة…

“حركة طالبان” هي الآن تبسط سلطتها داخل كابول ، هذه الأخيرة التي تعرفنا عنها _ شخصيا _من خلال بعض الأعمال السينمائية العربية، فسؤال ما الذي يدفع بعض الشباب إلى التوجه لأفغانستان؟ حاولت بعض الأعمال الإجابة عنه.

“الطريق إلى كابول”؛فلم مغربي سمح لنا بالسخرية من هذه الدوافع ، ضحكنا مع أبطاله و استشعرنا حينها ببعض أجواء كابول ومناخاتها في قالب كوميدي لكن مع بعض الأعمال المصرية تجاوزنا هذا الحد الى مستوى ناضج على مستوى النص “السيناريو “.

“القاهرة كابول” فلم/فرصة لمن يود أن يكتشف بعض عناوين تاريخ مصر مع الإرهاب بل إن هذا الفلم فرصة جيدة لمسح الغبار عن ضبابية المشهد الاجتماعي الذي يدفع البعض نحو طريق كابول.

إن فعل القراءة ليس حصرا على الكتب بل إنه يمثل فعل متعدي يشمل كل ما نتعلمه و نكتسبه… لذلك فإن “إعادة القراءة أو القراءة الجديدة يكتشف من خلالها الإنسان ويستعيد مناخات وأفكار ومشاعر يحس أنه بحاجة إليها وتعني له أشياء هامة “2
هكذا بدأ عبد الرحمن منيف حديثه عن الشاعر “رسول حمزاتوف ” الذي صدر كتابه مترجما إلى العربية عام 1979 معلنا بذلك منيف إعجابه بعمل هذا الشاعر والكاتب الذي يكاد جمهور القراء أن يجهلوا صنف كتابه هذا الذي جسد فيه رسول حمزاتوف مشاهد من حياته تبدأ اللحظة الحاسمة في هذا المشهد في حديثة عن طلب من إحدى المجلات لكتابة نص لا يتجاوز العشرة صفحات لمدة لا تتجاوز خمس وعشرين يوما، لم يكن رسول معترضا على هذا الطلب لكن الشروط التي تضمنته جعلته وكأي مبدع حر يستنكر هذا الأسلوب فلا إبداع تحت الطلب، شبه رسول نفسه استلهاما من ثقافة بلده وقريته بتلك الفتاة التي يزوجها أهلها دون أخذ موافقتها أو استشارتها بالنسبة إليه منطق العُرف والقانون والرقابة الحاضر لدى البعض ضمن الأدب هو صورة أخرى من التقاليد والأعراف، وتجاوزا لهذا كتب رسول حمزاتوف أزيد من 500 صفحة حول بلده ليكون عنوان كتابه “داغستان بلدي “، أن الكاتب نهج أسلوبا شاعريا في الكتابة عرفنا من خلاله على جبال وسهول وثقافة وتراث بلاده فكان كتابه هذا ورقة تعريفية ليس بشخصه وأسرته بل بنمط عيش الأسرة داخل داغستان.

يحكي حمزاتوف روايةً عن سر تسميته برسول وعن عادات قريته ” تسادا”.

فحينما تنجب المرأة ولد فإن الرجال يطلقون الرصاص في سقف البيت “في سقف بيتنا الضيق الكثير من آثار الرصاص، كان أصدقاء والدي يطلقون الرصاص في السقف من مسدساتهم وكان على النسور المعشعة في الجبال المجاورة أن تعلم أنه قد ولد له أخ جديد وأن النسور في داغستان زادت واحدا “3 .. ويُتْمِمْ الكاتب حتى يسرد بعض التفاصيل لحظة تسميته وفق الرواية التي أخبرته بها امه “رفعني الشيخ عاليا إلى سقف البيت وقال ؛اسم البنت يجب أن يشبه بريق النجمة أو لطف الزهرة واسم الرجل يجب أن يتجسد في صليل السيوف وحكمت الكتب ..لقد عرفت الكثير من الأسماء وأنا أقرأ الكتب وسمعت الكثير من الأسماء في صليل السيوف وكتبي وسيوفي تهمس إلي الآن باسم ‘ رسول ‘”4

من هذه القصة ينتقل رسول إلى حديث آخر حيث يقول على سبيل المثال .. “على كل إنسان أن يفهم منذ صباه أنه أتى إلى هذا العالم ليصبح ممثلا لشعبه وعليه أن يكون مستعدا لتحمل أعباء هذه المهمة “5

هذا الحفر بالكلمات في ذاكرة حمزاتوف المصورة في قالب فني ضمن روايته تُعرفنا بأن بلاد داغستان كباقي البلدان المماثلة لها حيث يقربنا من المجهولية التي تعرفها هذه البلدان ومن الإقصاء الذي يطالها يسأل أحد أهل قرية تساد كاتبنا قائلا ؛ “هل يعرف الناس هناك، في البلدان الأخرى، بوجودنا، باننا نعيش على وجه هذه الأرض؟”

وترى هل يعرف العالم أن هناك شعوب وإنسانية تعيش بباكستان وداغستان وكابول التي تعرف اهتزازا عميقا حاليا، وكل هذه البلدان التي تجمعها ثقافات واحدة وتاريخ وحياة اجتماعية بخصوصياتها أم أننا كل ما نعرفه عنها أنها بلدان يجمع بينها النهاية الواحدة في النطق، ألف ونون وطالبان تنضاف اليوم بالألف والنون إلى هذه المجموعة.

ترى بماذا أجاب حمزاتوف؟

“ومن أين لهم أن يعرفوننا ؟ إذا كنا نحن لا نعرف أنفسنا كما يجب ؟ نحن مليون مكدسين في كتلة صخرية من جبال داغستان، مليون إنسان وأربعون لغة مختلفة “6(ص 33)

إن تمرس حمزاتوف يكمن لي التشويش وخلق ضبابية في بناء نصه وذلك بكثير من الهوامش والتدخلات مما يدعو إلى العمل على إزاحة هذا التشويش من أجل كشف عمق الرسالة… يبدو من خلال التطلع على نص رسول حمزاتوف أنه صاحب أسلوب جاحظي (الجاحظ) إن صح التعبير، لماذا؟ لأن كتابه هذا يتضمن بعض المَرْوِيَاتْ التي تتضمن الكثير من الرسائل والعبر وأخبار البشر كما هو منسوج ضمن كتاب “البخلاء “وذلك دون أن تغيب روح النكتة ضمن هذه القصص نستحضر مثلا ؛”يقول ابو طالب لقد اشترى فلان قبعة كقبعة تولستوي لكن من أين له أن يشتري رأسا كرأسه “7 ثم حكاية الصيادين الثلاث مع الذئب…

التصوير الشاعرية الذي قام بن حمزاتوف و التي يود البعض أن يختزلها في بعض الصفحات من أجل تسويقها لقد عَمَّرَهَا في حجم ليس باليسير هضمه من القراءة الأولى حيث يقول في أخر صفحات كتابه “الشعب الصغير كان ذا مصير كبير، وقصة داغستان مازالت تكتب، ليس لها ولن يكون لها نهاية وسأكون سعيدا جدا اذا وجدت في هذا الكتاب الذهبي والخالد صفحة انا كاتبها ..انا أغنيتي فاقبليها يا داغستان “8

بعد محاكاتنا لهذا العمل وغيره يبدو أن سؤال؛ هل هناك حوار بين الفن والواقع؟ جوابه ينبغي أن يكون بحذف أداة الاستفهام ‘هل’، فينبغي أن يكون هناك حوارا بل إن الفن هو واقع آخر يملي علينا قراءته ..وداغستان بلدي نموذج في ذلك .

إن التاريخ الذي يعيد تشكيل نفسه الآن ضمن خريطة العالم بتوجهات مستوحاة من الأَوّلِينْ هي تشبه إلى حد بعيد تلك الأفلام التي تعاد على التلفزيون يومي الأحد والسبت لتسد فراغ آخر الأسبوع رغم أن هذه الأفلام قد تكون من حيث قيمتها الفنية جيدة وتستحق الإعادة لكن السياق الذي تأتي فيه يَلْعَنُ قيمتها فتفقد خصوصيتها فشأنها شأن التاريخ الذي يذكرنا به الفن ضمن هذه الأفلام فلو لم تكن رواية داغستان بلدي لما تعرفنا على الكثير من المشاهد الثقافية التي سردها حمزاتوف استحضارا لقريته تسادا بعد مكوته بموسكو هنا المقارنة تبدو جلية… كما أن ما كنا لنعرف من بعض المغاربة والعرب الشيء الكثير عن طقس كابول لولا سرد بعض الشخصيات الشابة التي كانت متأثرة بالمذهب السلفي الوهابي والتي حضرت بعض التدريبات في أفغانستان… ليبقى سؤال هل الطريق إلى كابول سيتحول إلى “كابول بلدي” مع حضور التعامل السكوني مع الصوت الجديد الذي يرتفع في العالم؟ وهل ستظل الكتب والأفلام والتلفزيون آليات من آليات البحث والتقصي عن المعلول بدل البحث والإحاطة بالعلة …
ومن سيحفظ ذاكرتنا للمستقبل يا ترى؟

مصادر:

1 _ عبد الرحمن منيف ، ذاكرة المستقبل ، دار التنوير للنشر والتوزيع، ص7 .

2_نفس المرجع، ص 135.

  • 3_ رسول حمزاتوف ، داغستان بلدي، ص 27.
    4_ نفس المرجع، ص28.
    5_نفس المرجع ، ص 30 .
    6_نفس المرجع ، ص 33.
    8_ نفس المرجع ، ص549.

خديجة بنميك

طالبة باحثة بشعبة علم الاجتماع كلية الاداب والعلوم الانسانية جامعة القاضي عياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى