سياسة و تاريخ

هل العنف هو الوسيلة الوحيدة لحماية المجتمع؟

نلاحظ أن كثيرًا من الناس يتكلمون عن موضوع الدولة والعنف، ويطرحون عدة تساؤلات منها هل الوسيلة الوحيدة لحماية المجتمع هي العنف؟

كجواب على هذه الفكرة يمكن تقديم أطروحة مفادها أن كل دوله تقوم على العنف، وقبل الخوض في تحليل مضمون لهذه الأطروحة يصدر الإشارة إلى تحديد بعض المفاهيم الضرورية، كمفهوم الدولة؛ والتي تشير إلى مجموع المؤسسات والأجهزة القانونية والإدارية والاجتماعية والعسكرية التي تشتغل وفق نسق متكامل، من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية داخل نطاق جغرافي محدد.

كما يجب شرح العنف؛ وهو استخدام القوة بشكل مفرط تجاه الغير والعالم الطبيعي؛ لإخضاعهم لإرادة الذات، وقد تلجأ له الدولة بشكل شرعي قانوني حمايه للنظام العام، وبالرجوع إلى مضمون المقولة نجدها تدافع عن قيام الدولة على العنف، بمعنى أن الهدف الأول من تأسيس الدولة وفرض السلطة بواسطة القوة، واحتكار استخدام العنف من أجل ضمان الاستمرار كما نعيش الآن.

فالدولة تقوم على عدة تدابير للتوعية بخطورة مرض كورونا مما جعلها تعتمد كذلك على القوة ولكن باتجاه البعض، خاصة من لا يحترم هذا القانون وهو التزام البقاء في البيت وعدم الخروج حتى لا ينتصر هذا الوباء، كما أن الناس واعون ويعرفون الواجبات الملقاة على عاتقهم في هذه الحالات الصعب، فإلى أي حد يمكن القبول؟ وإلى أي حد يمكن الاعتراض؟

فالعنف من الوسائل الناجحة والفعالة لضمان استقرار الدولة، وتفادي الصراعات العرقية التي تهدد بتفككها وتعجل بدمارها، كما أن العنف قد يحصنها من كل الهجمات المحتملة والأطماع الخارجية؛ لأن مبدأ السيادة تسمتده الدول من مدى حفاظها على أمنها الداخلي من جهة، وقدرتها على التصدي للأعداء من جهة أخرى.

هذا ما أكده أكثر من فيلسوف وعالم ومفكر، فالسيسيولوجي الألماني “ماكس فيبر” يرى أن الدولة لها الحق في ممارسة العنف كضامن وحيد لهيمنتها، غير أن هذا العنف وإن كان ليس وسيلة الدولة الوحيدة، إلا أنه أكثر أسلحتها نجاحًا في قيادة المجتمع وممارسة السلطة، ما دام أن تاريخ البشرية كشف عن محاولات التعنيف لضمان السلم الاجتماعي.

من هذا المنطق يرى فيبر أن السياسي يتوق إلى السلطة، إما لأنها وسيلة لتحقيق غايات مثالية أو أنانية، وأما لذاتها من أجل إشباع الشعور بالفخر الذاتي والرغبة في الوصول إلى السلطة وامتلاكها، بل وإن الاحتفاظ بها يعني بالضرورة أن السلطة تعتمد على أساسية تربط بها هيمنة الإنسان على الإنسان من خلال العنف المشروع.

كما يرى سبينوزا عكس هذه الأمور، حيث أكد على أن الغاية التي قامت من أجلها الدولة هي حماية حرية الأفراد وسلامتهم، وفتح المجال أمام طاقاتهم وقدراتهم البدنية والعقلية والروحية، وتحقيق هذه الأهداف يقصد تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء، ومقابل هذا التنازل يستمتع الأفراد بحرية كاملة في التعبير عن أرائهم وأفكارهم، مع بقائهم متمتعين بهذا الحق ما دام تفكيرهم قائمًا على مبادئ العقل واحترام الآخرين، وأيضًا ما دام الفرد لم يقوم بأي فعل من شأنه إلحاق الضرر بالدولة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق