مدونات

هل العقل يفسر كل شيء؟

في الالعاب الاستراتيجية الالكترونية، هناك امكانية ان تصنع الخريطة المراد ان تلعب فيها تلك اللعبة بنفسك، فالالعاب الاستراتيجية هي فضاء ارضي افتراضي تكون لك فيه دولة او امبراطورية، لك شعب، لك جيش، لك اقتصاد…وهناك حروب طبعا تخوضها مع من يجاورونك والطامعين في تدميرك، هذه فقط نبذة وليس هذا ما نبتغيه من مقالنا هذا.

نعم في هذه اللعبة، تعطى لك خريطة بكر، عبارة عن أرضية كصفحة بيضاء، لا بها تل ولا جبل ولا واد، ولا أي مخلوق إلكتروني افتراضي، أنت من سيحدد هذا كله، طبعا لا يمكنك الولوج الى اللعبة الا بضغط الزر بلاي play، يبتدئ زمن اللعبة في الاحتساب من اللحظة التي تضغط على زر البداية بلاي، وأنت تستطيع ترك اللعبة على تلك الصفحة أو الأرضية البكر، التي لم يحدث فيها شيئ يذكر، يوما كاملا، فتعود وتجدها كما هي لم يتغير فيها شيء؟

من هنا نستنتج أمرا، مفاده أنك انت بوصفك صاحب اللعبة، قضيت وقتا مهما، فيما اللعبة عندما تركتها على حالها، فان الزمن لم يبتدئ عندها، لأن الفعل المسقط على مكانها الافتراضي لم يتم بعد، لكن حينما تبادر بصناعة الخريطة فتحدث هنا جبلا، وهنا واديا، وهناك تلا، وهناك ذهبا، فإن التاريخ يبتدئ بالدوران في تلك اللعبة الافتراضية، وهو هنا تاريخ بطيء رتيب، بحكم ان الذي صنعته من أشياء، هي لا تملك ارادة الفعل الحر، لكن حينما تصنع شعبا افتراضيا ودولة، وتوزع أدوارها بين الفلاحين والصناعين والجند والقادة، هنا يتخذ التاريخ مسارا متسارعا، وتبتدئ إرادة الفعل لتلك الشعوب الافتراضية سواء كانت لك، او كانت لدى الدول والشعوب المناوئة لك…

هنا اذا تركت اللعبة وقتا معلوما، وعدت فربما تجدها قد انتهت بخسارتك، وانت غائب عن توجيهها، فالمناوئون استغلوا غيابك وتوجيهك واستطاعوا الفوز على شعبك الافتراضي وهزمه.

استنتاجات:

بعد الاستنتاج الذي ذكرناه بكون الفعل هو المحدد لبدء سريان الزمان، ولولا الفعل لبقي المكان الافتراضي الذي في حوزتنا خريطة بكرا، لا حياة فيها ولا فعل ولا ارادة، هنا هذا الاستنتاج يجر وراءه افكارا عدة منتجة منها:

1- أنا هنا مجرد انسان ناقص ضعيف الحيلة، واذا تركت اللعبة الافتراضية، تاهت عن التوجيه وانتهت حياتها بالخسارة، فكيف من له المثل الأعلى تعالى الله عن اي وصف علوا كبيرا، كيف بخالق الخلق ذي الجلال والاكرام، فلو لم يكن لهذه الخلائق موجه ومقدر لأرزاقها وحياتها ومماتها، هل كانت الحياة ستستمر بنا قرونا عدة؟ هل كان هذا الانسان الميال الى الحرب وحب الذات، هل كان ليجعل هذه الأرض تستمر؟ هل كان لولا رعاية الله عز وجل أن يجعل هذا الانسان بني جنسه يستمرون؟

من ذا الذي أفنى الجبابرة بعد إذ هموا بخراب الأمم؟ أليس الله عز وجل؟

من ذا الذي اعطى للطبيعة قانونا تحمي بها نفسها وخلائقها؟ أليس الله سبحانه؟

من ومن ومن ؟ إنه الله فسبحوه بكرة وأصيلا.

2- الإرادة التي خلقها الله عز وجل في الانسان، والعقل الذي ميزه به، جعل الزمن الحقيقي يتسارع، نقصد بالزمن الحقيقي ما تحس به أنك عشته فعلا، وهذا الزمن مرهون بحركيتك وفعلك على الأرض، وليس بمقدار الزمن المتفق عليه في 24 ساعة في اليوم، والذي يمر عليك.

الفعل هو المحدد الحقيقي لزمنك الخاص، فلو كنت ابن 30 سنة واحتككت بالمكان، وبالمحيط بنطاق واسع، فإنك تكون اكبر سنا من حيث السن الحقيقي، من ذلك الذي امضى مثلا 30 سنة في مكان واحد ومع نفسه فقط، فأنت ستكون مسايرا لحركية التاريخ ودورانه، والآخر يكون بطيئا في استيعابه وفهمه لمجريات الأمور التي حوله، الخبرة هي حركية سايرت تعاقب الزمان وتنوع المكان والمحيط. لهذا فالزمن عندك انت متسارع، فيما الزمن عند ذلك الذي في مكانه رتيب بطيء. ولعل الغرب فعلا لحركيتهم تسارع الزمن الحقيقي لديهم وسبقونا بأشواط، رغم كون الزمن المتفق عليه بالسنوات والقرون مطبق علينا وعليهم.

3- لو افترضنا جدلا وبالرجوع الى اللعبة الاستراتيجية الافتراضية، أن الشعوب الافتراضية ارادت البحث عن تاريخها مثلا بالعلم في اطار اللعبة، أقول مهما بلغت تلك الشعوب من علم، فانها لن تصل الا عند بداية الاسقاط الفعلي وبداية زمنها النسبي، أي عند بداية التاريخ الذي يبتدئ بأول أحداث أحدثته في الخريطة البكر، تلك الشعوب الافتراضية لن تصل الى ذاتي حتما، الا اذا كانت هنالك امكانية مخاطبتها بانني انا صاحب اللعبة واسمي كذا وكذا.

الامر نفسه ينطبق على العلم الواقعي فهو لن يصل الى الخالق عز وجل، تعالى عن اي وصف وتشبيه، لأن حدود العلم تقف عند بداية التاريخ ولا تستطيع بما لديها من وسائل تجاوز ذلك، لهذا ارسل الله عز وجل انبياءه مذكرين بعبادته، لانه خالقنا ويعلم اننا اضعف من ان نتوصل اليه بعلم دنيوي، وان العلم الموصل اليه هو العلم الديني الذي يعلمنا اياه الرسل والانبياء، لا الكهنة والسحرة والمشعوذين.

هاهم العلماء حواليكم توصلوا الى الانفجار العظيم، بكونه فعلا قد تم، وبداية زمن وتاريخ كوني، لكن لن يستطيعوا علميا وحسابيا الوصول الى ما قبل الفعل، لن يستطبعوا الوصول الى الله عز وجل الا اذا اذعنوا لفطرتهم المسبحة بالرحمن، اما الحسابات فتسقط كلها، الله اعظم وأجل من ان يناله حساب البشر، مهما عظم الحساب وملأ السماوات والاراضين أرقاما، واذا كنت انا العبد القليل الحيلة أمرت اللعبة ببلاي PLAY فابتدأت، فكيف يستغرب مستغرب حينما نقول له، أن الله الواحد الاحد تعالى عن اي وصف وتفكير، خلق الكون بكن فيكون.

ما خلقت هذا باطلا سبحانك.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق