علوم وصحة

هل الظواهر الباراسيكولوجية موجودة؟

هل الظواهر الباراسيكولوجية موجودة؟

الباراسيكولوجي وعلى العكس من ما قد يتصوره الكثير من الناس، ليس أساطير أو خرافات، فقد تم البحث في هذا المجال في العديد من جامعات العالم المرموقة علي سبيل المثال جامعة ديوك [1]، جامعة برينستون [2]، جامعة ستانفورد [3]، جامعة أريزونا [4]، وما تزال جامعات مثل جامعة إدنبرة [5] وجامعة لوند [6] تبحث بل وتدرس هذا المجال في دورات أكاديمية للطلاب، إضافة لذلك فالجمعية الأمريكية لتقدم العلوم American Association for the Advancement of Science (AAAS) التي تعتبر أكبر منظمة علمية في العالم، تابع لها منظمة تضم علماء من كافة أنحاء العالم تسمي ”جمعية الباراسيكولوجي“ هؤلاء العلماء يبحثون فقط في الظواهر الباراسيكولوجية [7].

العديد من المنظمات العلمية المرموقة مثل الجمعية الأمريكية لعلم النفس American Psychological Association (APA) تقبل للنشر في المجلات الأكاديمية التابعة لها أبحاث الباراسيكولوجي علي سبيل المثال هذا [8] وهذا [9] وهذا [10]، وأحيانًا تنشر كتب كاملة تتحدث عن هذه الظواهر فقط علي سبيل المثال هذا [11]، العديد من المصادر السابق ذكرها تذكر أنه هناك ”أدلة تجريبية“ علي وجود مثل هذه الظواهر الباراسيكولوجية في الوجود، و ”جمعية الباراسيكولوجي“ تذكر أن العلماء التابعين لها يعتقدون أنه قد تم البرهنة بما فيه الكفاية علي وجود مثل هذه الظواهر في الوجود لأي شخص متفتح يقبل الأدلة التجريبية [12].

الباراسيكولوجي هو مجال يؤكد أن “العقل البشري” كينونة أساسية في الوجود، لا يمكن إختزاله في الدماغ فقط ولا يتقيد بحدود الزمن والمكان، فهذا “العقل” له القدرة مثلاً علي التأثير في الأشياء المادية فيما يعرف ب (Psychokinesis)، له القدرة علي التخاطر عن بعد بدون حدوث أي تفاعلات فيزيائية تجعل من التواصل بين المتخاطرين ممكنًا فيما يعرف ب (Telepathy)، له القدرة علي إدراك الأشياء أو الأحداث التي تحدث في مكان ما بعيد عن الحواس الفيزيائية فيما يعرف ب (Clairvoyance) أو (Remote Viewing)، له القدرة علي التنبؤ بالمستقبل فيما يعرف ب (Precognition) هذا المجال يبحث أيضًا في حالات الوعي الغريبة التي تختلف عن وعي اليقظة الذي نعيش به في الحياة اليومية كما يحدث فيما يعرف بتجارب الإقتراب من الموت (Near-death experiences NDEs) أو تجارب الخروج من الجسد (Out-of-body experiences OBEs).

العديد من العلماء يعتقدون أن “العقل البشري” ما هو إلا نشاط الدماغ الكهروكيميائي وأن من يعتقد بغير ذلك هو شخص غير علمي لذلك يقضون أعمارهم في نقد الأبحاث الباراسيكولوجية ويعتبرون أن السبب في أي نتيجة إيجابية تصل لها هذه الأبحاث إما مجرد الحظ (Chance) أو المنهجية العلمية السيئة لهذه الدراسات والأبحاث (Bad Methodology) أو تحيزات الباحثين الذين يجرون هذه الأبحاث (Biases) أو أنها مجرد إحتيالات وكذب (Fraud).

إلا أنه في ورقة حديثة منشورة في مجلة عالم النفس الأمريكي (American Psychologist Journal) التابعة للجمعية الأمريكية لعلم النفس، عالم النفس من جامعة لوند السويدية – إتزل كاردينا Etzel Cardeña – قام بعمل تحليل شمولي Meta-Analysis أي قام بمراجعة نتائج عدد كبير جداً من الدراسات الباراسيكولوجية ووجد أنه في المجمل هذه الدراسات قدمت دليل تجريبي علي وجود مثل هذه الظواهر.

بحيث لا يمكن تفسير هذا الدليل بأنه مجرد ”إحتيال أو منهجية سيئة للدراسات وغيرها من الإنتقادات المتكررة لأبحاث هذا المجال“ وأن “الأدلة على وجود الظواهر الباراسيكولوجية قابلة للمقارنة مع تلك الخاصة بالظواهر الراسخة في علم النفس والتخصصات الأخرى” [13]، فتجارب الباراسيكولوجي الآن يتم إجرائها تحت رقابة وبطرق علمية صارمة [14]، دائمًا أيضًا ما يحب المشككون في هذا المجال ذكر تحدي “چيمس راندي“ – مليون دولار لمن يستطيع أن يثبت وجود مثل هذه الظواهر – إلا أن هذا التحدي في الواقع مجرد خدعة [15].

لكن هل وجه النظر التي تنظر إلي الوعي أو العقل البشري علي أنه كينونة أساسية في الوجود غير منتجة من الدماغ وجه نظر غير–علمية وتخالف العلوم كما يدعي دومًا المشككون؟

يوجد نظرتان مختلفتان للعقل أو الوعي البشري:

– الفلسفة المادية: العقل (الأفكار، الذكريات، المشاعر) نتاج الدماغ.
الفلسفة الثنائية: العقل كيان غير مادي منفصل عن الدماغ غير منتج منه لكن يتفاعل معه بطريقة ما.

الحجج التي يستخدمها الماديون كدليل علي أن العقل نتاج المخ:

– الدليل من التسجيلات: يمكن قياس نشاط المخ الكهروكيميائي المترابط مع النشاطات العقلية المختلفة بالأجهزة الكهربائية مثل EEG، علي سبيل المثال، عندما تفكر يترابط ذلك مع ظهور نشاط كهروكيميائي في مناطق متفرقة من القشرة المخية، عندما تكون ذاكرة جديدة يكون ذلك مترابط مع ظهور نشاط كهروكيميائي في منطقة الحصين من المخ، تماماً كما يستطيع مهندسي الكهرباء رصد النشاطات الكهربائية داخل دوائر الحاسوب الكهربائية مثلاً.

– الدليل من التحفيزات: يمكن لعلماء وجراحي الأعصاب تحفيز مناطق مختلفة من الدماغ بواسطة أدوات مختلفة كالأقطاب الكهربائية أو الأدوية، علي سبيل المثال يمكن تحفيز مناطق مختلفة من المخ ويكون هذا التحفيز مترابط مع ظهور حالات مختلفة من الوعي، حفز القشرة القذالية علي سبيل المثال وسيتأثر الوعي البصري، خذ دواء مهلوس وسيتأثر وعي اليقظة لديك وستبدأ في توهم وجود أشياء لا وجود لها في الواقع، يعني بإختصار عندما تؤثر علي المخ بطرق مختلفة (تحفيز كهربائي، تحفيز بالأدوية المهلوسة  إلخ) يتأثر الوعي أيضًا.

– الدليل من الإستئصالات: يمكن لعلماء وجراحي الأعصاب استئصال مناطق مختلفة من الدماغ، وملاحظة تأثير ذلك على الوعي، علي سبيل المثال عندما يتم استئصال مناطق من القشرة القذالية قد تفقد جوانب من الرؤية، عندما يتم استئصال مناطق من الحصين تضعف الذاكرة عندك، تمامًا كما يستطيع مهندسي الكهرباء نزع دوائر كهربائية معينة من داخل الحاسوب أو التلفاز فيتم فقد الصور التي تعرض علي شاشة كل منهما.

لا أحد يستطيع أن ينكر أي شيء مما ذكر، لكن؛

– هل ما ذكر دليل علي أن الوعي منتج حصري من نشاط الدماغ؟
الجواب لا، كل ما ذكر دليل علي أن المخ يلعب دور مهم جدًا في عمليات الوعي فقط، لكن ليس دليل علي أن الوعي نتاج حصري لنشاط الدماغ، لأن الفلسفة الثنائية يمكنها أيضًا تفسير كل ما ذكر بالأعلي، لأن هذه الفلسفة لا تنكر دور الدماغ هي تقول أن هناك “عقل” و “دماغ” والعقل يتفاعل بطريقة ما مع الدماغ، عندما يتم التأثير علي الدماغ بطرق مختلفة (استئصال، تحفيز، أدوية)، يتم التأثير علي التفاعل بين “العقل” و “الدماغ” فيتم التأثير بذلك علي الوعي.

– هل يوجد أي دليل تجريبي مباشر على صحة الفلسفة المادية أو الفلسفة الثنائية؟
الجواب لا أيضًا، الماديون عاجزون عن تصميم أي تجربة يمكن من خلالها رصد المخ وهو يخلق الوعي – كما ذكر كل المرصود في تجارب علم الأعصاب ترابطات فقط بين الحالات العقلية والدماغية، لكن الترابطات لا تعني التسبيب، عندما تفكر يترابط ذلك مع ظهور نشاط عصبي في القشرة المخية لكن لم يثبت أحد ولم يرصد أحد في أي تجربة أن هذا النشاط العصبي هو ما سبب الفكرة؛ كأن يترابط زيادة معدلات إصابة الناس بحروق الشمس مع زيادة أكلهم للمثلجات في نفس العام هذا لا يعني أن حروق الشمس هي ما سببت أكل المثلجات ولا أن عملية أكل المثلجات سببت حروق الشمس؛ قاعدة منطقية معروفة الترابط لا يعني التسبيب بالضرورة correlation doesn’t imply causation – لأن الوعي بطبيعته هو كينونة غير-مادية ولا يمكن التكلم عنه بمصطلحات مادية لا يوجد شيء مثلاً إسمه هيا بنا نقيس كتلة أفكارك أو هيا بنا نحسب زخم مشاعرك، كيف يمكن لشيء مادي مثل الدماغ أن ينتج شيء لا مادي بطبيعته مثل الوعي لا يوجد إجابة عند الماديين، بالمثل كيف يمكن لكينونة لا-مادية مثل العقل أن تتفاعل مع كينونة مادية مثل المخ؟ لا يوجد إجابة عند مؤيدي الفلسفة الثنائية.

إذا أي فلسفة هي الصحيحة؟
هذا المقال من جامعة أوكسفورد [16] يجادل أن الفلسفة الثنائية هي الصحيحة، لماذا؟
السبب الأول: أنه كما ذكر ولا أي شيء من ما يقدمه الماديون يعتبر دليل علي صحة الفلسفة المادية؛ لأن الفلسفة الثنائية أيضاً يمكنها تفسير كل الأدلة التي يستشهدون بها، وهم لم يثبتوا بأي تجربة مباشرة أن العقل هو نتاج المخ.

السبب الثاني: يوجد ظواهر مختلفة لا تستطيع الفلسفة المادية تفسيرها، في حين تستطيع الفلسفة الثنائية تفسيرها بما أن الفلسفة الثنائية تستطيع تفسير كل الظواهر التي يستخدمها الماديون كدليل علي صحة المادية وأيضًا تستطيع تفسير ظواهر متعددة أخري تعجز المادية عن تفسيرها إذا فهي النظرة الصحيحة للوجود لأنها تفسر عدد أكبر من الظواهر، هذه الظواهر تشمل كل الظواهر الباراسيكولوجية التي ذكرت بالأعلي مثل التخاطر والإدراك عن بعد التي تؤكد أن العقل البشري غير مقيد بحدود الزمن والمكان ومثل تجارب الإقتراب من الموت التي تحدث أثناء السكتة القلبية علي سبيل المثال (أثناء السكتة القلبية – الدماغ يتوقف عن العمل) ومع ذلك هذه التجارب أثبتت أن الوعي يمكن أن يظل موجوداً حتي مع توقف نشاط الدماغ وغيرها من الظواهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى