أسلوب حياة

هل التنمية الشخصية حل لأسقام الحياة أم حيلة تسويقية لبيع الأحلام؟

أصبحت التنمية الشخصية والذكاء العاطفي والمهارات الاجتماعية من أكثر المفاهيم تداولًا في العالم، بل وصارت مادة للتكوين وعلمًا قائمًا بذاته يسترعي انتباه الكثيرين ويجذب اهتمام الجميع من كافة الأعمار. كيف لا والأمر يتعلق بالنجاح الدراسي والتألق الوظيفي وبلوغ أعلى المراتب ونسج أفضل العلاقات الاجتماعية وغيرها من الأهداف البراقة التي يتمنى أي شخص بلوغها وتحقيقها.

ما هو الذكاء العاطفي؟

نشأت نظرية الذكاء العاطفي – والمصطلح نفسه – في الولايات المتحدة في التسعينيات، كما انتشرت تعابير ” المساعدة الذاتية “، التي كانت على شكل علاجات وتدريبات وتطبيقات في تحسين الذات وتقنيات الاسترخاء، وذلك كله تحت شعار: « كل شخص يستطيع أن يعيد تنظيم حياته وترتيب أولوياته، وأن يعطي أفضل ما لديه ويحقق كل ما يريده في الحياة، بمجرد إلقاء نظرة أكثر إيجابية على نفسه وعلى العالم من حوله».
وواصل الخبراء العمل على صقل تعريفات الذكاء العاطفي، معرفين إياه تارة بذكاء الفرد تجاه مشاعره وتارة أخرى بكيفية استخدام عواطفه لتوجيه تفكيره، ثم استخدام تفكيره لتوجيه عواطفه، اعتبارا لما للعواطف من تأثيراً بالغ على تفكير الفرد وسلوكه.
ويضيف الخبراء أن بعض الناس يفكرون في الذكاء العاطفي كمهارة تمكنهم من اتخاذ خيارات واعية وقرارات وازنة تعطي للعاطفة حقها بطريقة إيجابية وفعالة. كما يقولون أن الأشخاص الذين لديهم المزيد من الذكاء العاطفي، يكونون أكثر صحة، وأكثر سعادة، وأكثر فاعلية في العمل وفي المجتمع ككل.

السلع العاطفية

هذه المفاهيم وغيرها شكلت محور الكتب الأكثر مبيعًا في العالم حول موضوع التنمية الشخصية والتفكير الإيجابي، ومن ثم تغيير حياة القارئ للأفضل والأجود وجعلها سلسلة من النجاحات والإنجازات، إنه بلا شك “علم السعادة”.
لكن، هل يغير هذا “العلم” فعلًا حياة قارئي هذه الكتب والمقالات؟ ربما كان لهذه الكتب تأثير على الناس وربما تعلمهم الكثير أيضًا، ولكن ليس بقدر الوعود التي تروج لها والأهداف التي ترسمها للقراء المتعطشين لتغيير حياتهم. فمعظم هذه الكتب تختار عناوين جميلة وتتضمن وعودا مبهرة، مثلا كيف تصبح ثرياً، كيف تحقق السعادة، كيف تطور ثقتك بنفسك، حقق أقصى إمكاناتك، كن قائداً.

صحيح أن التنمية الشخصية والارتقاء بالذات وشحذ الذكاء العاطفي أمر جيد. ولكن علينا أن ننظر لذلك بطريقة واضحة وواقعية. سوف تساعد هذه الكتب لا محالة، ولكنها لن تغير حياة الفرد جذرياً. هناك العديد من الكتب والمؤلفين والمدربين في مجال التنمية الشخصية الذين يبذلون قصارى جهدهم ويمنحون أفضل ما لديهم لتنمية قدرات الناس والنهوض بمكامن قوتهم وتنبيههم لكفاءاتهم الحقيقة، وتوظيفها على الوجه الأكمل، قصد الارتقاء بوضعهم الوظيفي والمضي نحو مزيد من التقدم والرقي. وهناك بالطبع محتالون، يستفيدون من سذاجة من يسعون وراء هذا الحلم فيبيعون لهم سلعهم الجاهزة ومفاهيمهم الواهية التي ستغير شخصيات متتبعيهم وتخلق منهم أفرادا فاعلين وناجحين، وهنا يتحمل الطرفان جزءاً من المسؤولية.
وتستغل “صناعة السعادة” هذه الأشخاص في لحظات العجز والفشل والانهيار العصبي، عبر إيهام البعض بإمكانية استرجاع السيطرة على حياتهم، والبعض الآخر بتجاوز العجز الذي يثبط قدراتهم. وبتأثيرها الجماعي تساهم هذه المنتجات في جعل السعي وراء السعادة وسيلة للحياة، وطريقة للوجود وعقلية في حد ذاتها. فهي تجدد أنماط الاستهلاك وتعطي توقعات للمستهلكين حول الفوائد النفسية والعاطفية ويجني بذلك أصحابها فوائد مادية هائلة.

ما يحرك المستهلك اليوم، هو رغبته الجامحة في الارتقاء اجتماعيًا أكثر من السعي نحو التحكم في نفسه بفعالية، وتنظيم حياته وامتلاك مهارات التدبير العاطفي. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أهمية الذكاء العاطفي بمفهومه الحقيقي والإيجابي، باعتباره أفضل مؤشّر للنجاح الوظيفي، إذ تتجاوز أهميته في أحيان عدة وزن السيرة الذاتية أو درجة الذكاء العالية.

ماذا يقول خبراء علم النفس عن الذكاء العاطفي ؟

يعرف الخبراء الذكاء العاطفي بكونه القدرة على تمييز مشاعرنا والتحكم في العواطف وتطويعها، واستغلالها في تحقيق الأهداف وفي حل المشاكل على حد سواء، ثم المرور إلى التأثير في عواطف الآخرين، وذلك بإسعادهم غالبًا إذا ما نظرنا من الزاوية الإيجابية للموضوع. إنها قدرة الفرد على التعرف على عواطفه الشخصية، وفهمها بصورة سليمة، وإدراك مدى تأثيرها على الأشخاص من حوله، على نحو يمكنه من السيطرة على سلوكه وضبطها، وإدراة مشاعره الخاصة، وإدارة مشاعر الآخرين أيضاً.

يبدو الكلام بسيطًا عند القراءة، فربما هي بضع نصائح من مدرب في التنمية الشخصية أو البشرية يمتلك المرء بعدها مهارات في إدارة مشاعره ومشاعر الآخرين ببراعة، لكن هذا الأمر الذي يبدو من الوهلة الأولى إيجابيا بل ومذهلا، ينطوي على سلبيات كبيرة ترقى لدرجة الخطورة في حال سمح الشخص لمشاعره بأن تتحكم بزمام الأمور في حياته، تاركًا لها أن تفسد عليه مشاريعه وخططه، ويدع مشاعر الحزن تسيطر عليه ويبثها في الآخرين بدون وعي منه. ويصل به التمادي إلى إيذاء من حوله، مستغلا قدرته على التلاعب بمشاعر المحيطين به. أما من يتمتعون بمهارات متقدمة في الذكاء العاطفي، فلديهم كفاءة عالية في القيادة وإدارة الأعمال، ومهارة كبيرة في حل النزاعات، واضعين سدا أمام المشاعر السلبية التي قد تدمر حياتهم وحياة الآخرين.

التنمية الذاتية

التنمية الذاتية في حد ذاتها شيء جيد، لكن لا يمكن للمرء من خلالها أن يصبح من يريد، ولا أن يحقق كل ما يريد. يمكن أن يساعدك تطوير الذات على الاستفادة المثلى من الموارد الموجودة بالفعل، ويسمح لك باكتشاف بعض المواهب التي لم تكن على دراية بها، فوضعتها جانباً بسبب انعدام الثقة في نفسك. وعلى العكس من ذلك، لن يسمح لك التطور الشخصي بتحويل نفسك إلى شخص آخر، لن تكون رياضيًا إذا لم يكن لديك مؤهلات لذلك، ولن تصبح فنانًا موسيقيًا ذا شهرة عالمية إذا كنت لا تملك المواهب اللازمة لذلك أيضًا.

فمن الوهم الاعتقاد بأن التنمية الذاتية هو سحر لا يتطلب جهدًا، ولا يحتاج كفاءة أو مؤهلًا، ولا انضباطًا أو وقتًا.
حيث تدعونا التنمية الشخصية إلى العمل على أنفسنا، دون تزويدنا بعصا سحرية. هذا العمل المثير والملهم يتطلب الانتظام والانضباط من جانبنا. لا شيء يتم بدون جهد. إن مسار تطورنا الشخصي والمهني ليس خطيًا، بل ينطوي على قبول الانزعاج المؤقت قبل تحقيق التحول المطلوب. مما يتطلب وضع مقاربات إيجابية جديدة بالموازاة مع وضع حد للعادات السلبية، وتغيير طريقة التحدث. كل هذه التغييرات تستحق الاستثمار في الطاقة والوقت.

ممارسة التنمية الشخصية هو الاستثمار في نفسك. وفضلًا عن ذلك يجدر بنا الالتفات إلى كبار السن وإلى الكتاب والمؤلفين السابقين، لنجد أفضل خبراء التطوير الشخصي، والاستفادة من تجاربهم الزاخرة بالنجاحات، بعيدًا عن جنون العصر الذي نعيش فيه، ومنطق المادة وبيع المفاهيم والأحلام.
وحياة طيبة وسعيدة للجميع!

اقرأ أيضًا : سر المنافسة في السوق على مختلف الأصعدة وتطورها مع الزمن

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق