مدونات

هل احتقر الإسلام أم البشر؟.. نظرة على عمل المرأة في ظل دعوات المساواة

ربما تكون الكتابة في موضوع عمل المرأة بها بعضًا من الملل؛ لكثرة ما تناوله كل من يكتب وكل من يتكلم في أي وسيلة من وسائل الإعلام، لكن هذا ينبع من أهمية الموضوع، الذي أظن أنه من المواضيع التي تثير الجدل بشكل كبير كل فترة على الرغم من السهولة التي أراها في تناول وتقرير الأمر.

ولعل الشيء الأكثر جدلًا في عمل المرأة هو ما يتصل بشرعية عمل المرأة ومدى قبول الإسلام لهذا العمل. وفي هذا الإطار خلط للأمور؛ فهناك من يدعي زورًا أن الإسلام ضد عمل المرأة وأن الإسلام جاء ليقرر وضعًا متدنيًا للمرأة، وهذا ما يخالف الأسس الحقيقية التي جاء بها الإسلام لتكريم المرأة، ويكفي أن نعلم حال المرأة في الجاهلية من امتهان لكي نعرف كيف جاء الإسلام بالتكريم اللائق لأم البشر.

ففي الجاهلية كانت المرأة عبارة عن مستودع لممارسة الجنس فحسب، ولم يكن يسمح لها إلا بهذه المهنة سواء كزوجة أو كعاهرة، بل إن نساء الجاهلية كان يتم مفارقتهن وكأنهن مرضى حينما تأتي لهن الدورة الشهرية، هذا بخلاف ما كان يتم من وأد البنات وممارسة الاستبضاع، فضلًا عن الحرمان من الميراث.

لكن الإسلام جاء ليحرر المرأة من كل ما سبق، ويكرمها ويضعها فى المكان اللائق بها، وجاء هذا التكريم عبر العديد من الآيات:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13).

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً” (النساء: 1).

“فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ” (آل عمران: 195).

“وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً” (النساء: 124).

وهناك العديد من الآيات الأخرى التي تضيق المساحة لذكر جدلية عمل المرأة ولكنها جميعًا تظهر عدالة الإسلام ومساواته الرجل بالمرأة في الحقوق والواجبات، لكنها مساواة من نوع خاص، تحفظ للمرأة كيانها وفطرتها التي فطرها الله عليها.

فليست المساواة هي أن يتساوى الاثنان في كل شيء، وإلا لكان من الأولى أن يخلقنا الله من نوع واحد، لكن الاختلاف في النوع من الناحية البيولوجية والنفسية والعاطفية هي التي تقرر أن هناك اختلافًا فعليًا لابد أن يقرر وأن نؤمن به، وهذا الاختلاف هو ما يتفق مع الطبيعة والفطرة.

بل إن من روعة خلق الله أن جعل كل من الرجل والمرأة عنصران مكملان لبعضهما البعض، فللرجل مهامه وللمرأة مهامها ولا ينفي أي منهما الآخر، فالرجل بطبيعته الجسمانية هو الأقدر على تحمل مشاق الحياة والخروج إلى العمل، والمرأة تكمل هذا العمل بمكوثها في البيت لكي تصنع أجيال صالحون من الأبناء، وهي مهمة – في تقديري – أهم من المكسب المادي الذي يأتي به الرجل.

ولنا أن ننظر حولنا في أسر كثيرة لمعرفة تأثير عمل المرأة على الوضع الأسري، لنعرف الفرق بين أسرة كانت الزوجة فيها متفرغة لأولادها، وأسرة أخرى كانت المرأة عاملة، فمن المؤكد أن هناك فرقًا كبيرًا في تنشئة الأولاد، بل حتى في طبيعة العلاقة بين الزوج والزوجة، فحينما تلتزم الزوجة المنزل تصبح معدلات الطلاق أقل ما يمكن، لكن فى ظل خروج المرأة للعمل تزداد هذه المعدلات بشكل كبير، وربما يكون هذا مبعثه إلى ظن المرأة أنها بقدرتها على كسب ما تستطيع العيش به يمكنها أن تستغني عن الزوج، لكن هذا الاستغناء ليس استغناءً ماديًا فحسب، فاحتياج الرجل للمرأة واحتياج المرأة للرجل ليس ماديًا ولا جنسيًا، بقدر ما هو احتياج للسكينة والراحة والإحساس بأن هناك طرف آخر يمكن أن يُعتمد عليه، وأن يكون ملاذًا وقت الضيق.

يقول الأستاذ أحمد حسين، في كتابه الرائع “الإسلام والمرأة”: إن الزواج ليس إلا شركة، ولابد لكل شركة من رئيس يديرها ويتكلم باسمها، ويكون صاحب الكلمة الأخيرة بشؤونها، ليمكن البت في مصالحها وكل ما يحقق سعادتها ونفعها، وعلى الزوجة أن تدخل في طاعة زوجها دون أن ترى في ذلك أي غضاضة أو مساس بحريتها وكرامتها، ما دامت قد دخلت في هذا الزواج حرة مختارة، وكانت لها الكلمة الأخيرة في ارضاء الرجل الذي خولته حق رئاسة الشركة الزوجية.

وهي في ذلك يمكن تشبيه عمل المرأة بالجماعة في أمة ديمقراطية. حيث تختار من بينها رئيسًا توليه زمامها وقيادتها وتخضع له وتطيع، بدون أن يكون في ذلك أي معنى للمساس بحريتها أو كرامتها أو حقوقها، لأن الرئيس لم يفرض عليها فرضاً ولم تكره على الخضوع له، وإنما فعلت ذلك لتحقيق النظام، وبناء المجتمع الذي لا يمكن أن يستغني عن رئيس يديره، ويدين له سائر الأعضاء بالولاء والطاعة. (أحمد حسين – الإسلام والمرأة – الطبعة التاسعة – 2007 – صفحة 73).

وبطبيعة الأمور فإن وجود المرأة في منزلها يجعل منها المستشار الأمين للزوج وللأولاد، فليس هناك مستشار أمين أفضل من الزوجة المخلصة الصادقة تنصحه بعقلها وقلبها الحريصين على مصلحة الأسرة، وقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يستشير زوجاته، ويأخذ بآرائهن في الأمور العامة.

وهذه الطاعة للزوج من المؤكد أنه لابد أن يقابلها من الزوج الإكرام والاحترام والرعاية، فليس هناك أهم من صون الزوجة التي تضحي من أجل إسعاد الأسرة، فهي الركن الأساسي في نجاح هذه الأسرة، وهي المأوى للزوج بعد تعبه وشقاءه، وهي الملاذ له حين يتخلى عنه الجميع.

والابتعاد عن عمل المرأة وبقائها في المنزل أكبر مكسب لأي أسرة تبتغي صلاحها، وسأضرب مثلًا لتقريب وجهة نظري، وهو عقد مقارنة بسيطة بين فترة وجود المرأة في المنزل، والفترة التي نعيشها حالياً والتي خرجت فيها المرأة للعمل. ففي الماضي أخرجت لنا المرأة العلماء والمثقفين والأدباء، فهل ينكر أحد أن العظماء من مفكري وسياسيي مصر أتوا من رحم أسرة كانت المرأة فيها لا تعمل؟ وفي المقابل في عصرنا الحاضر هل يدلني أحد على شخصية موضع تقدير نبتت في أسرة كانت المرأة فيها تعمل!.

ولننظر إلى الغرب حتى نأخذ الحكمة، فعلى الرغم من التقدم المادي الحادث في الغرب، إلا أن التفكك الأسري في أوجه، وليس ذلك نابعًا إلا من خروج المرأة للعمل وتركها للمنزل تحت دعاوى المساواة والتحضر والتي كان من نتيجتها هذا الذي نراه من ارتفاع نسبة الجريمة وارتفاع نسب الطلاق.

وبنظرة تاريخية نجد أن الغرب لم يكن مبدأ المساواة هو الحاكم حين خرجت المرأة إلى العمل، بل كانت البداية مع الثورة الصناعية، وكان خروجها يستهدف في البداية جذب المرأة إلى العمل في المصانع التي كانت متعطشة للمزيد من القوى العاملة، خاصة الرخيصة، فتم استغلال الجنس الناعم في عمل المرأة لتدني أجرها مقارنةً بأجر الرجل في ذلك الوقت.

لكن خروج المرأة للعمل في الغرب على الرغم من الادعاء بأنه من قبيل المساواة، إلا أننا رأينا كيف تم استغلال المرأة للدرجة التي أصبح عمل المرأة في الغرب في وقتنا الراهن يستغل النساء كسلعة تباع وتشترى، وأصبحت مجرد وسيلة لتسويق المنتجات، إن لم تكن هي نفسها منتج يتم بيعه وشرائه.

نحن بالتأكيد مع التقدم، ولكن إذا كان هذا التقدم سيكون ثمنه تفكك الأسرة، فبأس التقدم؛ لأن الأسرة هي اللبنة الأولى لأي مجتمع صالح، هذا إضافة إلى أن غايتنا من الدنيا تختلف كليًا عن غاية الغرب من الدنيا، فنحن ننظر إلى الدنيا على أنها رحلة قصيرة نتعبد فيها إلى الله حتى نفوز بالجنة في الآخرة، وفي سبيل هذا الفوز لابد أن تكون وسائلنا متمتعة بالشرعية التي يرضى الله عنها، في حين ينظر الغرب إلى الدنيا على أنها دار فوز، ويجب أن يفوز فيها بكل ما يرضي شهواته، دون النظر إلى اعتبارات الحلال والحرام.

والمرأة في الأسرة كأم تعتبر صمام أمان لكافة أفراد هذه الأسرة، يحتمي بها الرجل وقت الشدائد، ويلجأ إليها الأبناء في محنهم، فإذا كانت هذه الأم منشغلة بعملها فإلى من يلجأون؟

وحتى في الديانة المسيحية، نجد أن الكتاب المقدس يقدم لنا نظرة واضحة بشأن عمل المرأة ودورها في الحياة؛ ففي رسالة للرسول بولس حول تدريب النساء كبيرات السن للشابات المتزوجات يقول: “ينصحن الحدثات أن يكن محبات لرجالهن ويحببن أولادهن، متعقلات، عفيفات، ملازمات لبيوتهن، صالحات، خاضعات لرجالهن، لكي لا يجدف على كلمة الله”.

ويتكلم سفر الأمثال في الإصحاح 31 عن “المرأة الفاضلة”، فمن بداية الآية 11 يمدح الكاتب هذه المرأة لأنها تفعل ما بوسعها للعناية بعائلتها، فهي تعمل جاهدة على تنظيم بيتها وعائلتها.

ولا نجد أي موضع في الكتاب المقدس يمنع عمل المرأة خارج المنزل، ولكن الكتاب المقدس يعلم المرأة ترتيب أولوياتها، فإذا كان العمل خارج المنزل يتسبب فى أن تهمل المرأة أولادها وزوجها، فيكون من الخطأ أن تعمل تلك المرأة خارج المنزل، أما إذا استطاعت المرأة المسيحية أن تعمل خارج المنزل وفي نفس الوقت أن توفر بيئة محبة ودافئة لأولادها وزوجها فيكون من المقبول أن تعمل خارج المنزل.

وهكذا نجد أن هناك اتفاقًا شبه كامل بين نظرة الإسلام والمسيحية لدور المرأة، وأن عملها الأساسي هو في بيتها، وأن عملها خارج المنزل هو استثناء لابد له من شروط لكي يتمتع بالشرعية.

لكن هذا الكلام الذي ذكرته لا يعني أن نظرتي للمرأة هي في حيز ضيق لا يسمح لها إلا بالمكوث في المنزل لتربية الأولاد وانتظارًا لعودة الزوج – على الرغم من أهمية ذلك – فما أعنيه أن خروجها للعمل ليس مستهجناً إذا التزمت بالضوابط الشرعية، فالإسلام حينما قرر للمرأة ذمة مالية مستقلة (عبر الميراث)، كان يقرر مبدأ عمل المرأة وحقها في أن تزاول أي مهنة شريفة وأن تتعلم كل ما من شأنه أن يعينها على تنمية هذا المال الذي ورثته.

وعلى الرغم من إيماني بضرورة أن يكون للمرأة دورها على كافة المستويات، إلا أنه لابد أن يكون هذا الدور نابعًا من شخصيتها وقدرتها وليس نابعًا من ضغوط تمارس عليها من وسائل الإعلام، فلا تتحقق المساواة عن طريق عمل المرأة فقط، وإنما تتحقق المساواة حينما تشعر المرأة أن ما تفعله يشبع رغباتها في الحياة وينعش آمالها في الغد الأفضل. فهل المرأة اليوم تشعر بالسعادة وهي تخرج للعمل فتجد نفسها وقد انحشرت في وسائل المواصلات؟ وهل تشعر بالسعادة وهي ترى أن مرتبها الذي تستلمه آخر كل شهر لا يكفيها رغم ما تتكبده من مشقة في سبيل الحصول عليه؟

وفي تقديري أن الموضوع يجب أن يخضع للفطرة التي فطرنا الله عليها، وهي أقرب إلى تقسيم الأدوار والتكامل بين الرجل والمرأة، ويجب أن يُنظر إلى الأمر من هذه الزاوية وليس من زاوية أن الرجل يتجبر على المرأة بعمله وإنفاقه على المنزل، فإذا كان الرجل ينفق المال فإن المرأة تنفق الجهد والمشقة في تنظيم البيت وفي تربية الأولاد، وهو شيء ليس بالقليل، بل هو عماد نجاح أي أسرة، فالمال من السهل اكتسابه لكن التنشئة الصالحة لا يمكن أن تشتري بالمال.

وإذا تحدثنا عن الفطرة سنتحدث طويلاً، فهل من الممكن أن نرى رجلًا ينجح في تنظيم بيته؟ أو نراه يستطيع عمل ميزانية الإنفاق على الأسرة؟ بالطبع لا، وأغلب الأسر تتولى فيها الزوجة هذه المسألة، فهي الأقدر على معرفة متطلبات المنزل وأوجه الصرف وأولوياته، وإذا تولى الرجل هذه المسألة لعدة أشهر لوجدنا تراجع واضحًا. ألم أقل إن العلاقة تكاملية وليست تنافسية.

المرأة بفطرتها تميل إلى أمور معينة، وإذا أسندت إليها هذه الأمور فإنها تنجح فيها أكبر نجاح. ولنضرب مثلًا على ذلك، فالمرأة في مجال التعليم وبالذات في التعليم الابتدائي هي النجم اللامع، وكلنا تعلمنا في هذه المرحلة على أيدي معلمات كان لهن الأثر الكبير في التنشئة الصحيحة، وفي مجالات أخرى من مجالات العمل يكون نجاح هذا العمل أكبر حينما تتولاه المرأة، لأنها بفطرتها تميل إلى هذا المجال من مجالات عمل المرأة ولذلك تبدع فيه وتنجح.

لكننا إذا تخيلنا أن مجرد نجاح المرأة في مجال معين معناه النجاح في كافة المجالات، فهذا هو الخطأ بعينه؛ لأننا نكون بذلك قد ظلمناها، فلابد أن يكون للمرأة المجال الذي يحفظ أنوثتها ورقتها، والذي يجعل منها قادرة على النجاح، وفي نفس الوقت يتوافق مع مهمتها الأولى في رعاية بيتها.

وأعتقد أن بحث سبل النهوض بالمرأة من خلال النهوض بالمجتمع ككل، هي التي تجلب السعادة الحقيقية وليس عمل المرأة في حد ذاته، وكم كنت أتمنى أن يكون بين أيدينا إحصائية عن المرأة العاملة وسؤالها عن مدى توافق العمل معها، وعن مدى رغبتها في الاستمرار في هذا العمل في حالة إذا ما توفر لزوجها العمل الجيد والكسب الذي يحفظ للأسرة حياة كريمة.

فمعظم عمل المرأة في وقتنا الراهن أصبح ضرورة لمساندة الزوج في تحمل مشاق الحياة ولتوفير حياة كريمة للأولاد، فإذا ما توفر ذلك عن طريق الزوج، ففي تقديري أن المرأة ستُفضل أن تظل في بيتها لتدير المهمة الأخطر في تربية الأولاد وفي الحفاظ على كيان الأسرة.

وبنظرة سريعة إلى واقع عمل المرأة في الوقت الراهن نرى أن ضغوط الحياة لا تؤهل المرأة أساسًا للنجاح في عملها، فهي تخرج إلى عملها في الصباح لتلاقي المشقة في المواصلات العامة، ثم تصل إلى عملها فتمارس هذا العمل في جو من البيروقراطية لا يسمح بنجاح أي جهد يمكن أن تقوم به، ناهيك عن انشغال عقلها وفؤادها بأولادها الموجودين ما بين المدرسة والحضانة، ثم تعود إلى بيتها لتنشغل بأعباء منزلية لا حصر لها. وفي نهاية اليوم نجد أن المحصلة لا شيء، لا هي نجحت في عملها، ولا هي أدارت بيتها بالطريقة التي تسعدها هي نفسها.

وربما كان هذا سر نجاح الرجل في عمله، فهو حين يخرج إلى عمله لا يشغل عقله إلا عمله، لأنه ترك مسئولية البيت والأولاد لزوجة ترعى ذلك، وحين يعود لبيته لا تكون عليه أعباء يجب القيام بها.

وهنا يبرز بشدة الدور التكاملي بين الرجل والمرأة، فلكل منهما دور يقوم به، ولا يقلل أي منهما الآخر، وكل من الرجل والمرأة يحتاج للآخر بنفس القدر، بل لا أكون متطرفًا حينما أقول أن احتياج الرجل للمرأة في حياته أكبر من احتياج المرأة للرجل في حياتها، فالرجل كائن يحتاج بشدة أن تكون بجواره امرأة ترعى أحواله وتنظم له معيشته، وقليل من الرجال من يستطيع أن يعيش بدون زوجة أو أسرة. وعلى العكس منه المرأة، فهي تستطيع أن تنظم نفسها وبيتها وتستطيع أن تعيش وحدها بدون زوج أو أسرة توفر لها الجانب المادي من متطلبات الحياة. ولذلك فاحتياج الرجل والمرأة لبعضهما البعض احتياج نوعي يتكاملان فيه، وهذه هي روعة العلاقة بين الرجل والمرأة، وهذا هو سر تكوين الأسرة.

خلاصة القول، أن الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة لا ينبغي أن يكون معناها عمل المرأة فليس هذا هو ما يحقق المساواة، فالمساواة الحقيقية هي في الاعتراف المجتمعي بأن دور المرأة في بيتها أساسي ومحوري لنجاح المجتمع بأسره، وأن وجودها في بيتها ليس معناه عدم مقدرتها على العمل كالرجل، ولكنه نوع من تقسيم الأدوار لنجاح الحياة، وأن وجود المرأة في بيتها هو تكريم لها وصون لكرامتها وكيانها من مشاق العمل، وهذا بالتأكيد لا ينفي حقها في العمل متى أرادت ذلك ومتى كان عملها أفيد للمجتمع.

اقرأ أيضًا: في عيدها.. المرأة بين الشعارات البراقة والواقع الأليم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق