مدونات

هل أنتم تتقدمون أم تتوهمون التقدم؟

بين التخلف والإفساد يكمن طريق اولي الالباب، أن تبقى رهين روحك دون ملامسة واقعك اعتمادا على دماغك وحواسك، يعني أن تظل متخلفا، وهذا امر نهانا عنه الاسلام ولم يدع إليه، أن يلجأ أحد ما الى الله زاهدا متعبدا، هذا لا يضر، بل من شأن ذلك الزاهد أن يكون مرجعا وعبرة، ترجعنا إلى أرواحنا وتعزز صلاتها بالله عز وجل، لكن أن تلجأ جماعة المسلمين كلها الى الزهد وترك الحياة، ووصم كل جديد بالبدعة، فهذه هي الطامة التي أصابت بني الإسلام، وما استوصى الإسلام الإنسان بصلاة الجماعة والجمعة والحج، إلا لكي يتواصل الناس، ويتعاونوا على البر والتقوى، وفي ذلك تكون مصلحة دنياهم واخراهم في تواز.

في المقابل أن تبقى رهين ماديتك تعبدها، تتلو شهواتها، فهذا يعطيك تقدما ماديا، أي نعم، ستتقدم ماديا كما تقدم الغرب، لكن كلما اطفأت سراج روحك، إلا وطغى جسدك، واتجهت نحو الإفساد، لا تقل لي إنني اتقدم إذن انا أُعمل عقلي وفكري، طبعا انت تتقدم ولكن فقط حسابيا وتقديريا، وفي الوقت نفسه تتخلف عقليا وإنسانيا، لهذا فانت لا تتقدم بل تتوهم انك تتقدم، فقط دماغك وتقديره للأمور بشكل تقني حسابي هو من يتقدم، وتقدم الدماغ خارج نطاق الروح الموجهة الكابحة له، سينحو بصاحبه نحو الافساد، أنت هنا كالحيوان، فالحيوان لأنه يعمل تقديره الدماغي فقط، تجده بارعا في الأمور التي يتخصص فيها بناء على ظروفه وخلقته، فأنت لم تكن كالفهد سرعة، ولا كالصقر من حيث حدة البصر، ولا كالأسد من حيث البطش، ولا كالقرش من حيث قوة الفتك… هؤلاء وحوش ليست فيهم روح سامية كابحة تكبح وتقلل  بطشهم، لكنك مؤخرا تصير أكثر منهم بطشا وفتكا وإفسادا، طغى تقديرك، طغت شهواتك، لم تعد لديك تلك الروح الكابحة، انت تمشي في دنياك بسرعة لا تحدها كوابح… لا تقل لي أن هذا تقدم، لا تقل لي السير نحو الهاوية بسرعة مفرطة تقدما… أنت تهوي بماديتك نحو الانحدار، تقتل إنسانيتك بتقنيتك وآلتك التي صنعتها بكلتا يديك… لا تقل لي أنك هكذا تتقدم، لا تقل لي أن التطور يعني أن تتجرد من إنسانيتك، من حسك، من ذوقك الفني… أنت تندحر … أنت كالبالون الذي تنفخ فيه الأنفس والأهواء والشهوات بدون رادع، يزيد حجما فوق قدرته… ان لم تفكر بعقل، واقلعت عن النفخ، فمصيرك واحد هو الانفجار.

هكذا كما كانت للحضارة الإسلامية قرون ذهبية ثلاثة، الاول والثاني والثالث الهجري، فكذلك للحضارة الغربية مثيلتها، قرون ثلاثة هي ايضا، القرون 16 و17 و18 الميلادي، بعد ذلك سُرق التطور الحقيقي، سرقته طغمة حاكمة، من كلا الجانبين واحدة انامت المسلمين، واخرجتهم عن دورهم الرائد، وأخرى أيقظت الغربيين ودفعت بهم للحركة بشكل جعلهم مجرد آلات بين أيديهم، أوهموهم أن التقدم تقدمهم، لكن في حقيقة الأمر الشعب الغربي منذ القرن التاسع عشر لا يتقدم، بل يتوهم أنه يتقدم، فأي تقدم ان كان المرء لا يحس بطعم أسرته، وبحضن زوجته، ويتذوق طعام مطبخه، وتزعجه وتضحكه شقاوة طفله، فيتلمسه بيديه، ويحرص هو شخصيا  على تربيته…كل هذا أفقدوه للغربي، وجعلوا له اياما وأعيادا آلية يتذكر فيها انه كان إنسانا لا آلة، ليس له أن يتمتع بأسرته الا في مساء السبت، وليس له ان يتذكر الحب إلا في الفالانتاين، وليس للمرأة ان تتذكر أنوثتها الا في 8 مارس من كل عام، ولا أمومتها الا في 21 منه….

هل أنتم تتقدمون أم تتوهمون التقدم؟

إقرأ أيضا: خطاب الجاهل

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق