ثقافة وفنون

هرقل الأسطوري والسفينة الشبح.. ما تفاصيل القصة؟

ماذا أصاب هرقل (Hercule) الأسطوري والذي هو نصف إله كما أُعتُبر في عهد الرومان، وظهر في ديانتهم في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح (عليه السلام)؛ ذلك العُتلّ الصنديد الذي يحرس بوابة العالم القديم؛ عند مدخل بحيرة الأبيض المتوسط؟

هل ما تزال تطنّ في رأسه ما كان يتفوه به الرومان ويتشدقون؛ حينما كانوا يقولون «Mare nustrom »؛ أي ما ترجمته باللغة العربية «بَحرُنا»؛ وما معنى ذلك (بحرنا ولا لأحد غيرنا)؛ إلا تعبيرا على هيمنتهم على حوض البحر الأبيض المتوسط؛ في أوج قوتهم البرية والحرية، فيحرص هرقل، ويأخذ حذره؟

أَراودت جفنيه سِنة من الكرى، فنام مُستمتعا بدفء مغارته المنقورة في صخور شاطئ مدينة طنجيس (طنجة) الصخري؛ فلم ينتبه لسفينة شراعية حربية إسمها (الصليبي)، وهي من إحدى قطع الأسطول الأمريكي؛ غافلته وتوغلت في مياه البحيرة المليئة قيعانها بجرار الأمفورات؛ التي احتوت فيما مضى من القرون على خمر معتق أُستُخلص من عنب مُخمّر؛ مما تُثمره كروم سفوح الأراضي المخدوشة بالصخور، أو بزيت مُقطر من حبات الزيتون؛ تزدان تلك البطاح والمرتفعات المتوسطية بأشجارها؟

فما شأن تلك السفينة؛ ومن أين قدمت، وإلى أي ساحل من سواحل البحر المتوسط تتجه، ومن أولئك الذين يركبونها، ولأي غرض تُبحر، ومن وراءها من الدُّهاة السياسيين، وأما من أحد ينتظرها؟ والسؤال الرئيس هو: لماذا راوغت فتانا ذلك المغوار الـمُزمجر الأبدي هرقل الأسطوري ؟

وأي كتاب هذا الذي ينقل إلى حفدة المهاجرين الأولين إلى القارة الأمريكية أصدق صورة تملأها رعشات الإيمان الصادق؛ لأمكنة مولد الأنبياء والرسل في فلسطين؛ ما فتِأت تُحلق بخيالاتهم في تلك الأرباع المحيطة بضفاف نهر الأردن، وبحيرة النبي لوط عليه السلام (البحر الميت)، ويراودهم حلم الحج إلى هناك حيث صفاء الخلاء؛ ما يزال يُخيم عليه صفاء قلوب الأنبياء والرسل عليهم السلام؟ ذلك هو الكتاب المقدس.

فما تأبط أولئك الطُّهْريّون البروتستانت (Les Puritains)؛ المنحدرون من انكلترا ونيوأنكلند؛ وهم مسافرون إلى العالم الجديد في سفينتهم التي سموها تيمنا بزهور ماي (May Flowers)؛ غير ذلك الكتاب، ولقنوا مزاميره في معاهدهم اللاهوتية؛ إلى من تحدر من الرواد المهاجرين الأولين من العالم القديم؛ فكان أحن إليهم هو أحراج ضفاف بحيرات وأنهار الشام؛ التي رعى الأنبياء في سهوبها الأغنام؛ هذه الأنعام الوديعة والنافعة.

أليس هذا مالم يُكشف عنه، وما هو غائر في البواطن؟ أ ليست هذه الرغبة العميقة في النفس البشرية هي التي دفعت ذلك المسمى بـِ(وليام فرنسيس لينش William Francis Lynch 1801-1865) أحد قباطِنة بحرية الولايات المتحدة الأمريكية؛ بأن يقدم في الثامن من شهر ماي؛ من سنة 1847م؛ مذكرة يطلب بتحريرها الإذن من كاتب البحرية جون ميسون (John Young Mason 1799-1859)؛ بالقيام برحلة استكشافية لمنطقة الشام؛ التي تمور بالديانات والأديرة والكنائس وبقايا الحضارات القديمة، وبالطبيعة المتنوعة، وبلفحات حرارة تخوم صحراء العرب؟ التي كان يتولى أمر إدارتها في عهد الخلفاء الراشدين؛ معاوية بن أبي سفيان(602 ه- 680 ه)، وهي مهبط الرسالات السماوية إلى بني البشر.

أو هو حسد من عند أنفس هؤلاء الأمريكيين؛ لأن لا تاريخ لهم؟

ووراء هذه الرحلة ما ينفعهم في دنياهم؛ فالأمريكي سجين قارته إذا لم يتغلب على رهبته من البحر؛ فيخوض في لِـجاج المياه على متن مركب ينقله إلى القارات الأخرى، ومن أجج هذه الرغبة فيما بعد الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكية (جيمس مونورو، James Monroe 1758-1831)؛ بدفع ويلات الحروب والصراعات الدموية خارج القارة الأمريكية؛ هنالك ما وراء البحار والمحيطات الخمس، فهو صاحب أُطروحة رفض أي استعمار للقوات الأوروبية حينذاك للقارة الأمريكية، والتدخل في شؤون القارة الجديدة، وفي القرن التاسع عشر أعطت الولايات المتحدة الأمريكية لهذه الأطروحة صفة إمبريالية، وقامت بتدخلات عسكرية في جزر الكارايب وهايتي  ونيكاركَوا وبورتو ريكو وكوبا… إلخ، وما نعاصره حاليًا من سياسة أمريكا في مناطق من العالم السافرة؛ إلا امتدادًا لهذه الأطروحة الجهنمية. 

فتلقى (وليم لينش) الموافقة في 31 يوليوز (تموز) من نفس السنة، والأمر بالاستعداد للرحلة في 31 شتنبر (أيلول)؛ فأخذ هذا البحري المعتد بقوة بلده؛ كما دلت عليه مذكرات رحلته التي كتبها فيما بعد بأنه أول من رفع العلم الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وتنبأ بالهيمنة القادمة؛ عددَه وعُدّته وأبحر من ميناء نيويورك في سفينة كبيرة في 26 نونبر (تشرين الثاني) برفقة اثنى عشرة رجل من جنود البحرية وطبيب وخبير، وأُحيطت الرحلة الاستكشافية بالسرية التامة.

فماذا كان يشغل العالم إلى حدود عامي 1847م و1848م؟

ألم تكن كل من الإمبراطوريتين البحريتين؛ فرنسا وبريطانيا ما تزالان تأخذان نفسا من معاركهما البحرية المنهكة التي استمرت لقرون طويلة؛ في المضايق والأنهار والبحار والمحيطات؟

ألم يكن المغرب الأقصى المطل ساحله الشمالي على مضيق جبل طارق، وحيث مغارة هرقل الأسطوري ما يزال يُضمد جراحه هو المنهزم التي أصيب بها في معركة (إيسلي)؛ التي وقعت في 14 غشت (آب) من سنة 1841م في عهد السلطان المولى عبد الرحمان؛ والتي دارت رحاها-ساحقة إياه- في المغرب الشرقي بينه وبين فرنسا، ويُعاني من شروط قاسية لحرب خاسرة؟ ودونك لوحة زيتية تصور  تلك المعركة؛ رسمها الفرنسي (هوراس فيرنيت، Horace Vernet 1789-1863)، ولوحات الرسام الفرنسي كذلك (أوجين دولاكروا، Eugene Delacroix 1798-1863 ،  التي تفنن في رسمها، واتخذت من الفرسان المغاربيين الممتطين لصهوات الخيول، رافعين لمكاحلهم (جمع لـمُكْحُلة وهو سلاح للبارود، وهذا وجه الشبه في مُكحُلة كُحل العين)؛ بخفة ورشاقة الفارس المغاربي المنقطعة النظير؛ موضوعا لها، ولم ينفع أولئك المحاربين ذلك السلاح فتيلا، ولا استنفار الأفراد من القبائل المغربية بدون تدريب ولا تنظيم؛ أمام فرق جيش فرنسا المتحركة؛ المتدربة والمنظمة، وأن المغرب بعمله هذا كان بِنيّة نصرة الأمير الجزائري عبدالقادر المسلم المستجير، وقد أُستفتي علماء (فاس) الشرعيين في ذلك.

ألم تكن الدولة العثمانية في هم كبير، وهو الشروع في إخماد رغبة متأججة في ثورة سيشعل نارها ثوار شبه جزيرة البلقان، والترصد لتمردات اعتادت سحقها، أو فشلت في استئصال شأفتها.

أليست تلك السفينة هي التي أماطت اللثام عن ضعف دولة (الباب العالي)، وانكشفت لها هشاشة أطراف الإمبراطورية العثمانية؛ بتنوع هوياتها وأقلياتها ونعراتها؟

فما كان من أمر (وليام لينش) إلى أن خاتل بسفينته (الصليبي) الشبح تلك هرقل الأسطوري الذي لا يريم عن مغارته وجاوز بها صروح أعمدته، وألقى مرساة سفينته في مياه عاصمة الباب العالي (إستنبول)؛ في الحادي والعشرين من شهر فبراير (شباط) من سنة 1848م، وبذلك تكون قد دامت الرحلة ذات الأميال البحرية الطويلة شهر واحد.

كان هرقل الأسطوري يقدم نفسه إلى السلطان العثماني على أنه موفد من دولة عظمى، ولابد أن تكون في علاقة الدولتين صداقة تفرض أن يحصل على إذن رسمي لاكتشاف نهر الأردن والبحر الميت، وتدليل الصعاب وتيسير المهمة التي من أجلها قدم من العالم الآخر، وأن يوصى به ولاة السلطان؛ خاصة والي صيدا ووالي القدس، وأن تُحمى بعثته من أفعال النهب التي تقوم بها بعض القبائل المحلية.

أبحر بعد ذلك إلى ساحل بيروت، ثم عكا وحيفا ليتوغل في بر الشام، وتنتظم بعثته في مجموعتين؛ إحداها كان قد ركب أفرادها قاربا يطفو بهم على مياه نهر الأردن المندفعة، والأخرى كان قد سار رهطها بمحاذاة الوادي؛ فيكون اتجاه رحلة (وليم لينش) البرية من الشمال إلى الجنوب، وفي طريقه يُدون ويُوثق كل ما يُثير اهتمامه، ويجمع مما أنبتته الطبيعية المحلية من نباتات وأشجار فريدة؛ كما درجت عليه الرحلات الأوربية الحديثة الاستكشافية؛ لتُحفظ في أرشيفات متاحف ومختبرات أمريكا الطبيعية، أو لتُستنبت في الحدائق الواسعة الأرجاء المحيطة بالبنايات الفيدرالية.

فاستغرق سفر فريق هذا البحار العسكري سنتان؛ بدءاً من اليوم الذي دفعت فيه الرياح الغربية للشمال الأطلسي سفينته الشراعية؛ من مرسى نيويورك إلى الخضم المحيط؛ إلى اليوم الذي آب فيه إلى وطنه.

فاستأذن قواده لدى عودته في كتابة مذكراته؛ أثمرت تسجيلاته كتابا من خمسمائة صفحة وثمانية؛ عنوانه: سرد رحلة الولايات المتحدة إلى نهر الأردن والبحر الميت (Narrative of United States’ Expédition to the river Jordan and the Dead Sea)، فيكون قد استوفى ما التقطته عيناه في بلاد الشام، ونقل إلى ذهن الأمريكيين صورة ما كان يجري في تلك البقاع من الأرض؛ فاتضح لهم ما كانوا يجهلونه.

ألا تكون هذه المذكرات هي مصدر ذلك الشر المستطير؛ الذي خيم فيما بعد ولايزال على عرب الشام، وقد كان (وليام لينش) المتدين المسيحي هذا من دعاة توطين اليهود في الأردن وفلسطين، وما يستحق التسجيل هو أنه بعد ثلاثين سنة من تاريخ تلك الرحلة الجسورة؛ دعا (تيودور هرتزل، Theodor Herzl 1860-1904)، وهو صحافي وكاتب يهودي من دولة (النسما- هنغاريا) السابقة؛ إلى عقد أول مؤتمر صهيوني عام في مدينة بال (Bâle) بسويسرا في سنة 1897م، والذي تنبأ بإنشاء وطن قومي لبني جلدته في فلسطين؛ فشهدت سنة 1947م أول طلقة رصاص بغيضة إلى كل مسلم عربي أبي النفس، وإلا فلماذا انصب اختيار (وليم لينش) على تلك المنطقة بالذات، ويكون أيضًا قد دشن خطًا بحريًا ستسلكه فيما أتى من العقود تلك البساطات الفولاذية المتحركة على الماء (حاملات الطائرات)؛ لهبوط ذوات المحركات النفاثة وإقلاعها في عمليات استعراض القوة العسكرية التي لا تُقهر.

وهل يعلم القارئ أن طيلة القرن التاسع، كانت قد سادت الغرب حركة فكرية بمثابة موضة تفكير في ذلك العهد، انخرط فيها العلماء والأدباء والساسة والصحافيون وربابنة عسكريون وقواد جيوش وملوك ورؤساء، تدعو إلى تبني دعوة إلى انهاء الهيمنة العثمانية على منطقة الشرق الأوسط، وأعمق من هذا وهو مناهضة الدين الإسلامي، وبعاطفة دينية مسيحية، ولا نتردد في نعتها بحركة صليبية حديثة، وفي إطار أوسع وهو الحركة الصهيونية العالمية.

فما حكاية هرقل الأسطوري إذًا إلا هذيانًا وحلمًا أسطوريًا بائدًا، أن يكون نموذجًا لرجال يأتون من بعدنا يدفعون عنا ويلات الحروب التي كابد أهوالها شعوب منطقة الشرق الأوسط فذلك ما نتمناه.

اقرأ أيضًا :

لمحة عن مذهب وحدة الوجود

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد القاسمي

حاصل على شهادتين جامعيتين من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، بالرباط (المغرب)، في الجغرافية (1990م), وفي التاريخ من نفس الجامعة (2016م)، يكتب في القصة القصيرة وفي الرواية وفي المقالة، أصدر مجموعتين قصصيتين، ورواية، وكتاب في سيرة مهنية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق