ثقافة وفنون

هذيان أم إبداع.. الشعر الحديث هل يُعد شعرًا؟ 

ظهر كما يظهر في أي عصر، النقاد المتشككين في أن الشعر الحديث الذي يتداوله الشباب بين بعضهم البعض اليوم، يعتبر شعراً من الأساس. لكن لكي نكوّن صورة موضوعية عن هذة المشكلة يجب أن يخرج نقدنا للشعر الحديث من مجرد الانطباعات الشخصية وحصر رؤيتنا في الشكل المحدود.

كما يقول نبيل راغب، الكاتب والمفكر والأديب المصري، إن نقد الشعر الحديث يجب أن يكون مبنيًا على أسس وقواعد ويكون دوره هو فك غموض المادة الفنية المراد نقدها أو تقييمها.

في البداية، يجب أن نوضح ما هو الشعر من منظور الحضارات الإنسانية القديمة والحديثة؛ ففي الحضارة اليونانية وخصوصًا من منظور الفيلسوف الإغريقي أفلاطون في كتابه “الجمهورية”، ربط الشعر بالوحي والإلهام – أي أن الشعر وحي من ربات الشعر،
وتصاعدت تلك النظرة إلى وقتنا الحالي بما نسميه “جنون الشعر” أي أن تأليف الشعر ما هو إلا تسجيلًا لهذيان الشاعر وجنونه.

تلك النظرة التي بدأت من أفلاطون واستمر مفكرون على نهجها أمثال ماكس نوردو، بإضفاء الصيغة العلمية على فكرة أفلاطون مستعيناً بأفكار عالم النفس الشهير سيجمون فرويد، حيث قال: إن “العبقرية الفنية وخصوصًا الشعر ما هو إلا نوع مخفف ورقيق من الجنون”.

ولكن عارض تلك الرؤية، الشاعر والناقد “ت.س. اليوت”، موضحًا أن الشعر الحديث عبارة عن إعادة تجميع ومزج الانفعالات المضطربة عندما يكون الشاعر فرغ من الإحساس بها.

ويوضح أن الشعر هو سيطرة على الخيالات وصياغتها على الناس وذلك يتعارض مع الجنون الذي هو عدم القدرة على التفرقة بين الخيال والواقع.

ولكن أين المنظور العربي من كل هذا، إننا نعرف جميعًا قيمة الشعر لدى المجتمع العربي ولكن دعنا ننظر لتعريفه لديهم. قال الفيومي: “الشعر العربي هو النظم الموزون، وحده ما تركّب تركباً متعاضداً، وكان مقفى موزوناً، مقصوداً به ذلك. فما خلا من هذه القيود أو بعضها فلا يُسمى شعراً ولا يُسمى قائله شاعراً”.

إن الشعر لدى العرب يحكمه القواعد والجماليات أكثر من شكل الشعر في المجتمع الغربي؛ فالشاعر ليس مهووسًا ولا شخص أصابه الجنون بل هو من علية القوم.

لذلك فنظرة العرب للشعر نظرة خاصة وقواعده يحكمها ظروف معقدة جدًا ليس لها مثيل من الشعر في الحضارات والثقافات الأخرى. لذلك الشعر في نشأته لدى كثير من الحضارات يختلف عن الشكل الذي يناله الشعر في العالم العربي.

أنا أضم صوتي – بعدما وضحت الصورة كاملة – لصوت النقاد الذين يريدون رفع اسم الشعر الحديث على الكتابات الشعرية الركيكة التي تكتب اليوم في دواوين وتسمى شعرًا حديثًا. وما هو أسوء جلسات وندوات الشعر التي لا تزيد عن نثر مرتب بشكل عفوي تحت غطاء التجديد.

اقرأ أيضًا: الرواية العربية.. ولادة متعسرة من رحم الأدب

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Omar Sobhy

صحفي بمجلة عربي 22 ليسانس اداب جامعة الإسكندرية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق