سياسة و تاريخ

هتلر ما زال حياً!!

يوصف هتلر حتى يومنا هذا بأنه الديكتاتور الأعظم، والسفاح الأكثر دموية في تاريخنا الحديث ولم لا وهو صاحب الهولوكوست الشهير، قاتل ملايين اليهود في أفران الغاز، صاحب أكثر الجرائم بشاعة في العصر الحديث والتي كانت تتم على أيدي جنوده في معسكرات الاعتقال أو لنقل معسكرات الإبادة والموت.
هذا السفاح الذي تتبرأ منه ألمانيا نفسها وتكتلت من أجل القضاء عليه دول أوربا،وفي سبيل أطماعه العنصرية اللامحدودة قامت الحرب العالمية.

ولكن هل كان هتلر حقاً سفاحاً وسادياً إلى ذلك الحد؟أم أن للأمر سياقاً مختلفاً تم التعتيم عليه، وأغفاله عمداً ؟!
إن كان هتلر سفاحاً كما تم تصويره فهل كان نمطاً شاذا وغريباً عن سياق الحضارة الأوربية أم أن العكس هو الصحيح؟

شعب الله المختار!

في الرواية الخيالية للعالم اليهودي جورج ستانير بعنوان (نقل أودلف هتلر إلى سان كريستوبال ) تتبنى الرواية الرؤية الهيجيلة للتاريخ فيما يسمى (نظرية الإمكان التاريخي )، أي إذا لم تسر الأمور كما كان هتلر مخططاً لها حال انتحاره فماذا كان سيحدث؟!
تجيب الرواية الخيالية على هذا وتدعي هروب هتلر بعدما هزم، وتم القبض عليه ومحاكمته.

لم يعتذر هتلر أثناء المحاكمة ولم يبدي أسفاً تجاه ما فعله من جرائم، بل أجاب على جرائمه العنصرية تجاه اليهود  بنفس منطقهم فقال  “يجب أن تفهموا أنني لم أختر شيئاً. لم يكن الجنس المتفوق من بنات أحلام أودلف هتلر الذي كان يحلم باستعباد الشعوب الأدنى.
أكاذيب.. أكاذيب.. لقد تعلمت قوتكم الخفية هناك، تعاليمكم أنتم، فأنتم شعب الله المختار، شعب اختاره الله لنفسه، وعرقكم هو العرق الوحيد المختار على وجه الأرض.. وجعله الله فردياً دون البشر.”

ثم أضاف متهكماً على هؤلاء المتشحين بأثواب الإنسانية، الذين هجروا شعباً كاملاً، واحتلوا أراضيه، ونهبوا ثرواته “لقد تعلمت أن أي شعب لابد أن يكون مختاراً كي يحقق مصيره، وألا يكون هناك أى شعب آخر في منزلته، الأمة الحقيقية سر دفين، جسد واحد خلقه الله بإرادته وخلق دمها الطاهر، خلقها سر الإرادة والاختيار، أن تهزم أرضها الموعودة وتستعبد كل من يقف في طريقها، وأن تعلن نفسها خالدة أبدية “.

النازية والحضارة الغربية

لم يرد هتلر على اليهود الذين اتهموه بعداء السامية فحسب رغم معاداتهم لخلق الله كافة، ولكنه انتقل كذلك للرد على الغرب الذين جعلوه كبش فداء لستر جرائمهم من خلال فضح جرائمه فادعى أنه خادم وفي للحضارة الغربية التي تبيد الضعيف لصالح القوي، وتميز بين الأجناس على حساب العرق فقال”أنا لم أخلق القبح، ولم أكن أسوء القبحاء. بل إن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.. كم عدد التعساء الصغار الذين قتلهم أصدقائكم البلجيك في الغابات إما بشكل مباشر وإما بتركهم يموتون جوعاً، أو من مرض الزهري حينما اغتصبوا الكونغو؟!
أجيبوا يا سادة.
أم يجب علي أن أذكركم ؟!
عشرون مليونا..
هذه النزهة الخلوية كانت قد بدأت وكنت أنا في المهد صبياً، في لعبة الأرقام السوداء لست أسوء الاعبين”.
ذكرهم بأربعين مليوناً قتلهم ستالين لم يذكرهم  في الرواية الخيالية بأكثر من ثلاثين مليوناً من الهنود الحمر قتلهم الأوروبيون، واحتلوا أراضيهم وأسسوا عليها  أمريكا رائدة الحريات في العالم التي تدافع عن حقوق المرأة والطفل والإنسان والقطط والكلاب!

ولم يذكرهم  كذلك بملايين من السكان الأصليين الذين أبيدوا على يد الأوربيين في أستراليا ونيوزيلندا وغيرها من بلاد العالم الجديد.

ربما لم يتسع له الوقت!

لم يكن حياً كذلك ليذكرهم هتلر بجرائم أمريكا في فييتنام والعراق وأفغانستان لأنها حدثت بعد القضاء على النازية المتوحشة!

في واقع الأمر وحسب الكثير من المفكرين العرب والغربيين لم يكن هتلر سوى جزءاً صغيراً من المشروع الإمبريالي الغربي الذي  ما زلنا نعيش في ثناياه حتى اليوم وإن اختلفت الوسائل فإن  الغايات والأهداف واحدة دوماً.

في واقع الأمر لو قيس هتلر بغيره من زعماء الغرب لكان أكثرهم براءة وأقلهم توحشاً، النازية لم تكن نسقاً شاذاً عن الحضارة الغربية، بل على العكس هي تجلي صارخ لها، وهو ما كان يدركه زعماء النازية أنفسهم.

ففي محاكمة نورمبرج الشهيرة أكد الزعيم النازي ألفريد وزنبرج على أن نظرية التفاوت بين الأعراق التي كانت سبباً رئيسياً في الرؤية العرقية النازية هي نتاج اربعمائة عام من الدراسات الإمبريالية العنصرية التي انتشرت في أوروبا  حين ذلك لتبرير المشروع الاستعماري الغرب لدول العالم ولنهب ثرواته.

 خدعة الهولوكست

برغم إنكار كثير من المؤرخين حدوث الهولوكست وعلى رأسهم هاري ألمير بارينس الأكاديمي الشهير بجامعة كولومبيا  والذي تلاه عدة مؤرخين انتهجوا نفس النهج بتقديم الاحصائيات، و والأدلة المنطقية على إنكار الأمر، أو على الأكثر تهويله بشكل ممبالغ فيه إن كان قد حدث. ولكن المثير للاهتمام أن بعض المعتقلين في سجون هتلر أنفسهم قد أنكروا الأمر تمامً  مثل بول راسينير والذي ألف كتاباً بعنوان دراما اليهود الأوربيين، ووضح فيه أن تلك المسرحية البغيضة لم تكن سوى جزءاً صغيراً من مسرحية أكبر لإنشاء دولة إسرائيل والتي بالمناسبة تبنت ذات القوانين العرقية النازية للتفريق على أساس العرق!

بينما يرى آخرون على رأسهم عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومن أن الهولوكست على فرض حدوثه هو تجلي صارخ للمشروع الأوروبي الذي يسعي لمحو الآخر من الوجود أياً كانت الوسائل، أو الآليات.

ومحصلة الأمر أن هتلر رمز القبح، والبشاعة الذي يتم البراءة منه من قبل الغرب باعتباره أكبر السفاحين، لم يكن في حقيقة الأمر  سوى تلميذ صغير يتعلم المبادئ النتشوية الغربية على يد أساتذته الكبار الذين ما زالوا يحكمون العالم حتى اليوم!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق