سياسة و تاريخ

هامش الثورة وجدل السؤال

هناك مقاربتنا إيديولوجيتان للأزمة الخانقة التي تمر بها الجزائري على صعيدي الاقتصاد والسياسة كإرث موضوع لحكم طاغوتي فاسد لبتوفليقة دام عقدين من الزمن، مقاربة وطنية (عروبية إسلامية)، ومقاربة ديمقراطية (علمانية/فرانكو – بربرية) كلاهما يسعى ليعطي معنى تاريخي ينسجم وخلفياته وأهدافه، للحراك من قبل تفجره وفي لحظته هذه وما يجب أن يؤول إليه، علما أن لا أحد منهما كان خلف تفجره بل يعتبر البعض أنهما ساهما بتحجرهما الإيديولوجي واسترابة بعضهما من بعض الأزلية في ديمومة حالة الاحتباس في تطور الوعي الوطني التي فرضها النظام على الأمة لعقود ست من الاستقلال، ما طبيعة هاتين المقاربتين؟ وما مؤداهما في مسار الحراك لتحرير السيادة الشعبية من قبضة السلط الفعلية (غير الظاهرة) في البلاد؟

بداية، يجب الإقرار أنه في الوقت الذي يظهر فيه التيار الفرانكفوني بعضا من الاقتدار في التصرف حيال رهان القوة والصراع الحاصل بين السلطة والشارع وهذا ساعيا منه إلى التمركز في حركة التحول الديمقراطي الشعبي بالمساندة المطلقة وغير المشروطة لما يعرف بالحراك الثوري الذي اندلع في 22 فيفري الماضي، وهذا عبر غض تكتيكي واستراتيجي، للطرف عن كل مقاصده وتوجهاته القاطعة مع أسس المجتمع الجزائري الثقافية إلى حين انزياح عقبة النظام القديم، تبدو قوى التيار الوطني العروبي والإسلامي صادمة صدامية على مستوى الخطاب إلى درجة الانزياح عن حركة الاحتجاج لا بداعي تحقق مطالبه وإنما خشية من استهداف قيمه التي تمثل الأكثرية والتي تحتمي بقيم نوفمبر المسلحة إلى اليوم.

هذا ما عبر عنه بشكل كبير المرشح للرئاسيات الإعلامي سليمان بخليلي في عديد مداخلاته، حين أصر على التأكيد بأن مشروعه يقوم أساسا على ضرورة بناء “الإنسان” وهي المهمة التي غابت، حسبه، عن مشاريع الدولة سابقا ما أوصل المجتمع إلى الوضع الحالي، في مقابل ذلك يصر الفرانكفونيون على ضرورة أن سيتمر الحراك حتى التقويض الكلي لهذا النظام بما يتيح لـ”الإنسان” المواطن أن يبني “وطنا” جديدا يسمونه الجمهورية الثانية وبعضهم الجمهورية الجديدة.

فما بين أولوية بناء “إنسان جديد” كمطلب عروبي إسلامي والأيلولة المباشرة لبناء “نظام جديد” كمطلب فرانكفوني، تستقر حقائق الخلاف في برزخ تصارعي قديم يضمن طرف ما بقاءه وديمومته لكونه المستفيد الأحد منه.

البعد الأخلاقي والثقافي لذا العروبيين والبعد السياسي البراغماتي لذا الفرنكو- لائكيين من هنا يضعف الحس الثوري للتيار العروبي ويغدو الإصلاح الجزئي كاف لعلاج اللحظة المأزومة وينحبس النقد السياسي عن الطرف المجتزأ من النظام المسمى بالعصابة، فينشأ موقف الذهاب للانتخابات، بالمقابل يتقوى هذا الحس لدى التيار الفرنكو لائكي الذي يرى الإصلاح الكلي ضرورة وحل وحيد للأزمة ولكي يتم القطع معها بالكامل يتوجب الارتجاع إلى التأسيس من خلال مجلس يسبق كل انتخابات تقوم على قواعد النظام القديم.

علما بأن الحاجة إلى البعدين في عملية الإصلاح الوطني لا مندوحة في التأكيد عليها، لكون ميكانيزم الخراب الذي اشتغلت عليه أجيال النظام السابقة، أتى على كل مساحات العمل الوطني بعدما جرد الإنسان (المواطن) من حمية الانتماء التي انتزع بها الاستقلال كاسبا فيهال أكبر تحدي تاريخي وجه آخر عواصف الاستعمار العاتية، وصار أكبر تحد له في عهد الاستقلال هو قفته وتحصيل وأحيانا بشتى الوسائل ما أمكنه من قوت يومه، وهذا ما انعكس سلبا على مسار نماء الوطن ككل ذلك لأنه إذا كان مسعى كسب معركة القفة اليوم هو سقف الأفق النهائي في حلم الإنسان المواطن فكيف سيعلو سقف حلم الوطن؟
لكن الاختزال المبسط إن جاز التعبير لشروع بناء الإنسان، على أساس نقدي ساذج كالذي تحدث به الأستاذ سليمان بخليلي وهو يوصف عيوب نموذج البشري للمواطن الجزائري، بكونه عصبي، عنيف غير ملتزم بأبسط القوانين مثل قانون المرور، في السياق التاريخي العميق للحراك الثوري، يعطي الانطباع بأننا إزاء حالة مهولة من الإخفاق في عملية تأمل الثورة أو هذا الحراك الثوري من جانب نخبه ومثقفيه ممن يحاولون حمل مشروع التغيير السياسي.

فالقراءة الموضوعية للمشهد الجزائري تعطينا خلاصة صادمة للبون الحاصل بين حركة التاريخ التي يصنعها الشارع والراصد المعرفي لها، إذ في الوقت الذي يستميت فيه “الإنسان” المواطن في مطلبه ألتغييري حتى يبني “دولة” نرى نخبا ترفع شعار أو مشروع يستهدف هذا الإنسان بحد ذاته بالتغيير ! وبالمنطق هذا فإن بصدد حالة نقد بل ونقض لحركة الإنسان من طرف شلة من هاته النخب بوصفه حامل للتغيير.
أوليس الإنسان المستهدف بالتغيير وإعادة البناء هو من تمرد على كل مشاريع البناء الوطني السابقة، ما يعني أنه يمتلك أهم خاصية إنسانية وهي “الموقف” ما يؤكد بالضرورة امتلاكه لوعي ثوري يجعله فوق مشاريعية إعادة البناء المزعومة تلك.

قد يحتج البعض من أصار سليمان بخليلي ويتحجج بأن الحراك السياسي المشتعل منذ نهاية شتاء العام الماضي بالشارع لا يعني وجوبا بأن المجتمع يحمل قدرا من الوعي الاجتماعي التحضري كالذي تحمله وتطرحه مشاريع النخب المتحفظة من مآلات الحراك ونتائجه السياسية.

والحقيقة أن كل هؤلاء من ذوي المشاريع الناقدة والناقضة للحراك تدرك غاية الإدراك بأن الفاعل الثوري في الشارع الجزائري يستهدف بالتغيير نظام الدولة وسلطها بوصفها سبب الارتكاس الذي آل إليه المجتمع، من خلال لا مشروعية ذلك النظام ولا مشاريعيته، وهو ما جعل هذا الحراك بدون قيادة وبدون برنامج فالوعي المشترك لكل أطياف الفاعلين الثوريين بضرورة الخلاص من خطر نظام اشتغل طويلا على إفراغ واستفراغ المجتمع من كل مصادر قوته، قد ناب عن القيادة وعن المشروع، وهو ما استعصى على النظام فهمه والتعامل معه، لذا طفق يحفر في التفاصيل بغية التوصل إلى خلخلة هذا الحراك فنجح نسبيا، ما أفرز شرخ الهوية والمشاريع الثقافية وجعلها على رأس مطالب الحراك الثوري الذي كان في مبدئه ومنتهاه سياسي خالص.

بات واضحا أن مسعى تنظيم الانتخابات خارج إطار أي توافقات تنتج عن حوار جاد مسبق مع الأطراف الأساسية في الحراك والمعارضة، لا يستهدف القفز على حقيقة الواقع المركب فحسب وإنما أفراغ ثورة الحراك من قدرتها على تأمل مسارها وإنتاج فكر جديد ينقل الوطن إلى مرحلة أخرى لا تتيح لهذا النظام فرصة الانطراح كنموذج وقوة اقتراح فيه، الأمر الذي جعل التيارات التي عاشت في قلب النظام أو على هوامشه الثقافية والسياسية تخشى على وضعها ومستقبلها في الأفق الوطني الجديد وتحمل مشروع الخوف على مواثيق المجتمع من قوى التغيير المرتبطة بالنموذج المضادة للوائح التأسيس الوطني أو ما بات يروج له بالنوفمبرية الباديسية، فما بين الانتصار لثورة الوطن لبناء الإنسان وثورة الإنسان لبناء وطن ضاع أو تكاد فرصة التغيير الكلي بتفاصيل دقيقة، وفي التفاصيل كما يقال يسكن الشيطان.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق