ثقافة وفنون

نيشته: مولد المأساة وتأملات في غير أوانها

لفهم مؤلفات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بشكل أكثر عمقًا، يجب دراستها في سياق الزمن الذي أبصرت فيه النور، وضمن الإطار العام الذي ميز حياة نيتشه في تلك الفترة، فكتابه الأول “مولد التراجيديا” الذي ظهر حين كان في السابعة والعشرين من عمره، فوجئ بعداء كبير داخل المحفل الأكاديمي.

كان فريدريك نيتشه قد تلقى ترقية مبكرة وعُيّن أستاذًا لفقه اللغة الكلاسيكي في بازل قبل ثلاثة أعوام من إصدار أولى كتاباته، فاتهم الكاتب بتحريف الحقائق وعقده للمقارنات القبيحة، لكن هذا لم يمنع أن ينقسم القراء لفريق آخر أشاد بالكاتب وأسلوبه العاطفي الذي يستلزمه موضوع كهذا.

لقد خضع كتاب “مولد المأساة” لزخم حماسي يستهدف تناول عدد كبير من الموضوعات ضمن مساحة محدودة. كما أن أكثر المتحمسين والمتعاطفين معه تحسروا على تخصيص الأجزاء العشرة الأخيرة منه للترويج لفكرة أن فن :فاجنر” الموسيقي يمثل بعثًا للتراجيديات الإغريقية، ورأوا أن هذا “الادعاء السخيف” يبدد الجهد المبذول في بقية أجزاء الكتاب، تلك التي تكشف اهتمام فريدريك نيتشه الأساسي بالثقافة.

هنا، يؤسس نيتشه للإيمان الراسخ بأن “الفن هو المهمة الأسمى والنشاط الميتافيزيقي الحقيقي في هذه الحياة”، في هذا العمل يظهر ارتباط نيتشه بشوبنهاور، وتتكشف علاقته المندفعة بالموسيقي الألماني ريتشارد فاجنر. ويحاول عقد صلة بين التراجيديا الإغريقية والدراما الموسيقية لفاجنر، فهو يدعي في أحد المواضع أن مقطوعة “تريستان وإيزولد” يجب أن تكون مسرحية.

يجب أن نذكر هنا، أن الأهمية التي يعطيها فريدريك نيتشه للموسيقى بوصفها “أعظم تجليات الفن”، نابعة من قدرتها على توحيد الأفراد بخلقها شعورًا مشتركًا بالنشوة.

كانت السنوات التي كُللت بكتابة “مولد المأساة” هي الأسعد في حياة نيتشه قبل أن يصاب بالمرض والنبذ والوحدة، فحين غادر آل فاجنر مدينة تريبشن إلى بايرويت سنة 1872، انتهت علاقة نيتشه الشخصية الأكثر حميمة، والتي سيظل يفكر فيها حتى نهاية حياته العقلية.

في ذلك الحين بدأ نيتشه ينقلب على آرائه السابقة، يشكك في جودة وغاية مسرحيات فاجنر الموسيقية، ومنطلقًا من قلقه المتعاظم من وضع الثقافة الألمانية. عكف على كتابة أربع مقالات (كان يخطط لكتابة ثلاثة عشر) سميت “تأملات في غير أوانها“، وظهر نيتشه خلالها عاجزًا عن إيجاد قالب يناسب مواهبه، فهو يلجأ للمرة الوحيدة في حياته للحشو.

التأمل الأول: اختار نيتشه كتاب “الإيمان القديم والجديد”، للمؤلف العجوز، ديفيد شتراوس لينقده، هذا الكتاب سهل للغاية ويعد مادة لا تقاوم للازدراء. حتى أننا لنتعجب كيف يعبأ نيتشه به؟

التأمل الثاني: عمل عظيم هو تأمل حقيقي لمدى قدرتنا على التأقلم مع عبء المعرفة التاريخية، مع التمكن من الاستقلال الذاتي التام، ويحرضنا على اعتناق المفهوم الإغريقي للثقافة، الذي يدور حول الثقافة بوصفها طبيعة جديدة متطورة دون أعراف، تمثل توافقًا للحياة والفكر والإرادة، لكن عيب هذا التأمل اتسامه باللهجة الخطابية لدرجة كبيرة.

التأمل الثالث: “شوبنهاور مربيا”، إنه مربك، يرجع ذلك لعدم عنايته بشوبنهاور كثيرًا. في ذلك الحين كانت تبعية نيتشه لشوبنهاور في تضاؤل.

أما التأمل الرابع: “ريتشارد فاجنر في بايرويت” فهو مؤلم، ينطوي هذا التأمل على حدث بارز في حياة نيتشه؛ حضوره لمهرجان بايرويت الأول سنة 1876 وانفصاله عن فاجنر.

تنويه: تم الاعتماد بشكل كبير في كتابة المقال على كتاب “نيتشه” لمايكل تانر، ونحن لا نمثل هنا رأيًا نقديًا أو تحليليًا لنيتشه وفلسفته، إنما ننقل ونبسط ونلخص أفكارًا واردة في الكتاب المذكور.

اقرأ أيضاً: مسألة قتل الأب بين فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق