ثقافة وفنون

نيتشه والإنسان والزمن

نيتشه والإنسان والزمن

إن التساؤل عن معنى الوقت لدى الكائنات الحية يختلف تمامًا عن السؤال حول معنى الحياة والذي ربما يكون مغالطًا وهو على الأغلب كذلك لكن دعنا لا نحيد عن موضوعنا الأساسي.
لاحظ الإنسان وجود ظواهر مختلفة تحدث في اتجاه واحد من غير إنعكاس، أطلق على هذه “اللاإنعكاسية” تسمية “الوقت”. (رغم أن نيتشه يرى أن الزمن لا يسير بخط مستقيم إنما دائري وبناء على هذه الرؤية تمكن من صياغة نظريته التي سماها “العود الأبدي”. وتشير هذه التسمية الغامضة إلى أن الأشياء والأحداث ستعيد نفسها بشكل متكرر بنفس الترتيب). ليس هناك تفسير مقنع لهذا المصطلح. عمومًا، تتأثر الكائنات الحية بالوقت الذي يمر، وهذا يتضح في عملياتها الحيوية كنبضات القلب والساعات الداخلية. التي تفرض على الأجسام تعديلات عدة كالنوم والسبات. والموت بطبيعة الحال.
لنعد إلى الرحم الذي ولدنا منه: الطبيعة؛ ولنتساءل:

هل لدى الحيوانات إدراك للوقت؟

إن هذا السؤال لا معنى له إلا حين يتعلق بالحيوانات الواعية، أي التي تمتلك تجربة معاشة. وتمتلك جميع الفقاريات نوعًا من الوعي يسمى الوعي التام (محصلة إدراك الحيوان لبيئته المحيطة وعلاقته بالأماكن والكائنات الأخرى وردة الفعل الواجب اتخاذها تجاه التهديد أو التعبير عن الود). ويعتقد بعض علماء الأحياء أن الرئيسيات وأنواع من الطيور والثديات والأخطبوط تمتلك بصيصًا من الوعي التأملي.
يمتلك الإنسان وعيًا وجوديًا يدور داخل الزمن ويعرف ما ينتظره. ويرى ميشيو كاكو في كتابه (مستقبل العقل) أن الوعي الإنساني يتميز بالتكهن بالمستقبل، بناء نموذج ذاتي عبر الزمن. وقد صنفه كاكو في المستوى الثالث بناء على عدد حلقات الارتجاع التي ربطها بالمعلومة المعالجة.
لذا فإننا نحلم أحلام يقظة ونخطط للمستقبل. ويتحكم الشعور الحاد بالوقت في توجيه سلوكياتنا ضد التقدم بالزمن الذي يقود حتمًا إلى الموت. لذا فمن هذا المنظور، فإن الاعتقادات بالروح الخالدة والشعائر الدينية التي ربما كان النياندرتال أول إنسان يمارسها قبل 400 ألف عام، هي ردة فعل تهدف إلى تمديد مسار الوقت للإنسان أثناء حياته إلى بعد الموت. كما أن كثيرًا من نشاط الإبداع الفني الجمالي يكمن في ترك أثر دائم نربطه بوجودنا. وأجيز لنفسي القول أن إدراكنا الوجودي للوقت ونهايتنا المحتمة هي الأساس لجميع أنشطتنا الإبداعية من فن وأدب وفلسفة ودين.
وليس يسيرًا علينا معرفة كيف يشعر الحيوان المدرك للوقت إلا أنه لا يبدو مشابها للبشر. يربط العديد من الفلاسفة والعلماء بين اللغة والوعي الإدراكي، وهذا سبب في استبعاد الفلاسفة فيما مضى لامتلاك الحيوانات وعيًا. وقد ذهب الديكارتيون إلى القول بأن الحيوانات لا تشعر بالمعاناة (ترتبط المعاناة بالوعي) لأنها لا تمتلك لغة!
إن التواصل شديد الأهمية لدى معظم الأجناس الحيوانية، ونلاحظ أنه يرتبط غالبًا في نقل معلومات حالية يمكن ترجمتها إلى: هذه أرضي! أنا جائع! أريد التزاوج.. إلخ وهي رسائل تتمحور حول الحاضر. أما اللغة فهي نظام تواصل خاص يشير إلى عناصر غير موجودة في البيئة حاليًا، وهذا نظام نادر لدى الحيوانات ولا يتخطى حسب معارفنا الحالية بضع كلمات للنحل وبضعة مئات من الكلمات يتعلمها الشمبانزي. ورغم التفضيلات الجمالية لدى الحيوانات وقدرتها على استخدام الأدوات، أي تغيير تحدثه في بيئتها بغرض استخدامه لتحقيق غاية معينة، إلا أنها عاجزة بصورة أساسية عن تصميم “أداة فنية” وهذا يشير إلى عدم أهمية المستقبل بالنسبة إليها كما عند البشر.
ماذا عن إدراك الموت؟ لا تبدو الإجابة مؤكدة، فأنثى الشمبانزي تحاول إرضاع صغيرها المتوفى ولا تتركه إلا بعد فترة من موته. ولا زالت معارفنا تعكس عجزًا صارخًا في تفسير سلوكيات معقدة كتلك التي تقوم بها الفيلة (تزور قطعان الفيلة مقابرها). لكن يجوز لنا (حاليًا) الاعتقاد بأن الحيوانات تعيش لحظة بلحظة ولا تكترث بالوقت الذي يمضي، وإن امتلكت إدراكًا للمستقبل فإنه لا يختلف بصورة جوهرية عن الإنسان الذي ينشغل بالمستقبل حقًا!

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى