ثقافة وفنون

نيتشه: نهاية حياة سعيدة وإنسان مفرط في إنسانيته (3)

رغم عدائه للمؤلف الموسيقي الألماني ريتشارد فاجنر والذي فاجأ المفسرين، فقد استمر ظل فاجنر في كتابات الفيلسوف فريدريك نيتشه إلى جانب سقراط والمسيح وجوته. تحديد العوامل التي أدت إلى هذه النتيجة مستحيل على ما يبدو، لكنها جاءت مباشرة عقب مهرجان بايرويت، يبدو أن اللقاء مع ريتشارد فاجنر كان مخيبًا للآمال بشكل مريع؛ هناك وجد نيتشه نفسه في مجتمع يتجلى فيه عالم الثراء الذي يزدري الثقافة، ما بعث نيتشه على الفزع من هذه الصحبة، فر إلى الريف، طلبًا للتعافي من أوجاع الرأس المتزايدة، حيث امتلك الفرصة لتأمل علاقته بفاجنر الفنان والإنسان.

في تلك الآونة تشكل لدى نيتشه مزاج يجعله رافضًا لأي من أشكال التبعية، وهناك من يدعي أنه كان واقعًا في غرام كوزيما، حبيبة ريتشارد فاجنر لكن لا يتوفر أي دليل على ذلك. ادعى نيتشه أن السبب كان اعتناق فاجنر للمسيحية وهذا زعم غير مقنع، أيًا كان السبب فإن العلاقة التي شكلت الملامح الأجمل والمحطات الأسعد في حياة فريدريك قد انتهت وبقى أثرها في كتاباته أبدًا.

ما يجب أخذه في الاعتبار بشكل جدي، أكثر إحباطات نيتشه إحراجًا، وهي طموحه في أن يغدو موسيقارًا! وهذه كارثة بالنسبة لرجل يرى في الموسيقى النشاط الميتافيزيقي الأسمى، ليس هذا فحسب فلطالما اعتبر نفسه بصفة عامة فنانًا فاشلًا. نجد هنا مفتاحًا لفهم أسلوب نيتشه المتعالي في التعامل مع أعظم الفنانين على مدار أعماله.‏

حين يكون نيتشه في أفضل حالاته فإنه يمتلك فراسة وقدرات تنبؤية لا تضاهى، أما في أسوأ حالاته فإنه يتسم بالعجرفة على غرار ما فعله مع ريتشارد فاجنر والتفتيش عن أخطاء للآخرين لينتقدها. ما يميز هذا الرجل عن غيره، طريقته الاستثنائية في التعامل مع مشكلاته؛ فهو ينتج كتابًا جديدًا مع تنامي قدراته الإبداعية بشكل متصارع، ويتجلى ذلك في كتابه “إنسان مفرط في إنسانيته”، الذي ينقسم إلى تسعة كتب تحمل عناوين عامة للغاية، و638 جزءًا مرقمًا؛ لذا فإن مجلده هذا يعد الأضخم من بين أعماله، ومن الطبيعي أن تكون قراءة عمل كهذا مجهدة، الحل الأمثل هو اختيار موضوعات بعينها لقراءتها.

يبدأ الكتاب، على نحو مفاجئ، بإهداء مخصص لفولتير، يبدو أن صرامة الأسلوب التي ميزت فولتير قد أثارت إعجابه. يعتمد فولتير كثيرًا في أعماله (كانديد مثلا) على الأمثال الشعبية، ما يضطر القارئ إلى تولي مهام كثيرة بالنيابة عن الكاتب، فالمؤلف يقدم جملة، والقارئ يحولها إلى فقرة عبر محاولة فهمها وشرحها. وقد كتب نيتشه مرة أنه يريد أن يعبر في صفحة واحدة عما قد يحتاج شخص آخر إلى كتاب بحاله للتعبير عنه، وقد لا ينجح!.

يتسم متبعو المذهب الأخلاقي الفرنسي بقوة الملاحظة، واستخدامهم للجمل التي من شأنها توليد إحساس بالخزي والمرارة لدى القارئ دون توقع إنتاج تغيير، لكن نيتشه يحاول عبر الأمثال وأشباه الأمثال، إحداث تبديل في وعي القارئ، إنه يوجه ضربات، إهانات تخلق شعورًا بالخزي. لكنها في الوقت نفسه تحمل جاذبيتها الخاصة بإيجادها احتمالات لكسر روتين كينونتنا.

في هذا العمل ابتعد نيتشه عن الأسلوب الرومانسي، وحاول إظهار الأشياء بوضوح، واستكشاف المشهد حيث تتجلى الإنسانية كحياة اجتماعية وشغف ونفسية وعزلة دون الرغبة في التغيير. دعنا نقتبس إحدى رؤاه:

“إجبار النفس على الإصغاء، بمجرد أن نلاحظ أن شخصًا ما يجبر نفسه على الإصغاء إلينا عند التواصل والتحدث معنا، فإننا يصبح لدينا دليل قاطع على أنه لا يحبنا بالمرة أو لم يعد يحبنا”، لقد ساعد هذا الكتاب نيتشه على سبر بعض جوانب نفسه، ولابد أنه كان سعيدًا بذلك؛ رغم أن ريتشارد فاجنر قال عند استلامه النسخة الموقعة منه إن نيتشه سيشكره يومًا ما على عدم قراءته!

تنويه: تم الاعتماد بشكل كبير في كتابة المقال على كتاب “نيتشه” لمايكل تانر، نحن لا نمثل هنا رأيًا نقديًا أو تحليليًا لنيتشه وفلسفته، إنما ننقل ونبسط ونلخص أفكارًا واردة في الكتاب المذكور.

اقرأ أيضاً: نيتشه.. المعرفة المرحة للرجل المتفائل (2)

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق