ثقافة وفنون

نيتشه.. المعرفة المرحة للرجل المتفائل (2)

انصب اهتمام الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، طيلة حياته الفكرية على الثقافة والمعاناة والعلاقة بينهما. يصنف الثقافة تبعًا لتأقلمها مع المعاناة، وكذلك الأخلاق. لذلك فقد احتاجت أزمة الأخلاق عند نيتشه إلى تطهير روحي؛ باعتباره من الآن فصاعدًا: Ubermensch، أي “إنسانًا أسمى”.

كان نيتشه يعاني كثيرًا في حياته، لذا فقد كانت الآلام ذات أهمية وجودية بالنسبة له: لا يجب علينا السعي إلى التخلص من المعاناة لأن هذا لا يجدي، يجب أن نتحمل الألم، نسِِتوعبه ونستثمره بالشكل الأمثل.

لن نتطرق كثيرًا لتحليلات رؤية الأخلاق عند نيتشه آلياتها والنفوذ الذي تستحضره، لأن هذا سيحتاج إلى كتب. إلى أي مدى سيؤدي سحب الفرضيات الأخلاقية إلى تغيير النتائج؟ كان نيتشه مترددًا حيال ذلك.

إحدى الفرضيات التي يواصل مهاجمتها هي تلك التي تحدد هدف الأخلاق بأنه يعني بالحفاظ على الإنسانية وتحقيق تقدمها، فنقرأ في كتابه “الفجر”: “هل يمكن للمرء أن يستنتج من ذلك عن يقين ما إذا كان من الواجب إطالة وجود الجنس البشري لأمد أطول، أم إخراج الإنسان ما أمكن من حالة الحيوانية؟ لا شك أن اختلاف الوسيلة، وأقصد الأخلاق العملية، سيكون كبيرًا في الحالتين…”.

يواصل نيتشه بهذا الإيقاع الهائج هجومه باقتضاب مربكًا المفسرين (المنفعة) “أضحت المشاعر اليوم متشابكة في الأمور الأخلاقية إلى حد أنه في نظر أحدهم تثبت الأخلاقيات من واقع منفعتها، فيما تدحض لدى آخر بسبب المنفعة ذاتها”.

من الملاحظ بشأن أزمة الأخلاق عند نيتشه التي يتناولها في (الفجر)؛ محدودية وتواضع الفرضيات، وما من ملمح إلا أن زرادشت سينزل قريبًا. قوبلت مواقف نيتشه الأخلاقية بالتجاهل باعتبارها نخبوية ومناهضة للديمقراطية.. هذه الأحكام المسبقة ينبغي تحييدها عند قراءته.

تتفتق عبقرية نيتشه وتعبر عن نفسها بأوضح صورها في “المعرفة المرحة”. في الكتاب الرابع منه إيحاء ضمني بالإقرار الذي قاد نيتشه إلى عمله التالي “هكذا تكلم زرادشت”.

يدافع نيتشه عن الفردية المفرطة، ويحفز على إضفاء طابع من الإبداع الفني على طبعنا، ويصفه بالفن الذي يمارسه من يعانق كل ما يمنحه طبعه من قوة وضعف ويدمجه في مشروع فني، فيكون حتى للضعف فضيلة استهواء النظر. فالقبح الذي لا نستطيع اقتلاعه نستره، وفي موضع آخر نحوله إلى جمال رفيع، أو نوظفه في إبراز الأبعاد والفضاءات التي لا نهاية لها. المهم هو امتلاك ذوق، ولا يهم إن كان سليمًا أم لا!

يقترح نيتشه إجراء تقييم دائم لشخصيتنا، رغم أنه لا يفصح حتى الآن عن معايير التقييم عن الأخلاق عند نيتشه ثم نضفي عليها تلك الوحدة التي تسمى “الأسلوب”؛ أي دمج عناصر تكويننا في عمل فني.

يهاجم “الشخصيات الضعيفة” التي تكره التقيد بالأسلوب (الرومانسيين). ورغم تشديده على الفردية، فمن الواضح أنه يدعو إلى مفهوم الأسلوب الذي يوجد بمعزل عن الفرد، فإن كانت المعايير ذاتية سيكون لكل شخص أسلوبه الخاص. يمكننا التفكير في أطر محددة يحقق في ظلها الأفراد فرديتهم بفضل مزايا الدعم الذي يقدمه الإطار. فعلى سبيل المثال، أبدع كل من بيتهوفن وموزار وهايدن رغم صرامة الأسلوب الكلاسيكي في الموسيقى، والذي وفر لهم عناصر لإثبات وجودهم.

إن حقيقة قول نيتشه: “يكفي أن يكون هناك ذوق!”، توحي بأن المعايير التي يستخدمها هنا ليست جمالية فقط، بل شكلية أيضًا، كما تحتل طبيعة العناصر المرتبة الثانية مقارنة بتشكيلها.
المرء المتمتع بأسلوب مميز هو ذلك القادر على التعامل مع الأمور الصعبة بنجاح ودمج تجارب متفاوتة لجعلها جزء من خطة أكبر. يمكن وصف الكتاب بشكل عام بأنه عمل رجل متفائل، وهو يعتبر برأي كثيرين أعظم أعماله.

ختامًا، يجب تبني ما يقترحه “المعرفة المرحة” باعتباره خطوات تمهيدية للهدف الذي سيعول نيتشه عليه كثيرًا ويراهن على نجاحه، إنه نبوءة “زرادشت”.

تنويه: تم الاعتماد بشكل كبير في كتابة المقال على كتاب “نيتشه” لمايكل تانر، نحن لا نمثل هنا رأيًا نقديًا أو تحليليًا لنيتشه وفلسفته، إنما ننقل ونبسط ونلخص أفكارًا واردة في الكتاب المذكور.

اقرأ أيضاً: نيتشه: مولد المأساة وتأملات في غير أوانها

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق