ثقافة وفنون

نيتشه: الخيبة العاطفية ونبوءة زرادشت (4)

تم تأليف كتاب هكذا تكلم زرادشت في أعقاب التجربة الأكثر إيلاماً بحياة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي أحب لو سالومي، وتقدم للزواج بها عبر صديقه بول ري فرفضته، اكتشف بعدها أنهما مقربين أكثر مما كانا منه.

كانت “لو” امرأة موهوبة للغاية، وأصبحت عشيقة ريلكه، ثم مقربة من فرويد. تصور نيتشه أن علاقته بامرأة كهذه ستكون داعمًا قويًا يستطيع في ظله مواصلة عمله، في هذه الصورة الغريبة يظهر فيها مع بول ري يجران عربة تقف “لو” داخلها وتلوح بسوط تجاههما. هل هذه الصورة على صلة بالملاحظة الشهيرة في هكذا تكلم زرادشت حين تقول امرأة عجوز لزرادشت: “إذا ذهبت إلى النساء، فلا تنس السوط!”؟

أهانه هذا الرفض ورماه في هاوية العزلة واليأس التام، وساهمت آلام نيتشه في تلك الحالة المتضخمة للكتاب الذي وصفه بأنه “أهم كتاب قُدم للبشرية حتى وقته”. لمدة طويلة ظل كتاب هكذا تكلم زرادشت أكثر كتب نيتشه شهرة، لكنه اليوم لم يعد كذلك في أوساط النقاد، وهذا أمر يستحق الإشادة عمومًا. من خلال جمل قصيرة وملهمة، حاول نيتشه إظهار نفسه كشاعر فيلسوف، فيستخدم العبارات الاصطلاحية والاستعارات والصور المجازية بشكل مفرط، ويبدو جليًا تأثر المختارات الأدبية بالإنجيل بين المحاكاة الساخرة والأصداء المباشرة، أما عن تكرار جملة هكذا تكلم زرادشت في نهاية كل قسم فربما تستهدف تخدير القارئ!

يتحدث زرادشت بنبرة الندم والحسرة، والتعظيم والإجلال تارة أخرى. كانت هذه النبرة ضرورية لتمهيد الطريق نحو “الإنسان الأعلى” الذي يعتبر زرادشت نبيه. يستهل حكيم كتاب هكذا تكلم زرادشت نزوله بإعلانه موت الإله: “أيعقل؟ هذا القديس لم يسمع هنا في غابه بعد أن الله قد مات؟” وفي موضع آخر “لقد ماتت كل الآلهة؛ والآن تريد أن يحيا الإنسان الأعلى”.

لكن زرادشت هو النبي الأكثر غرابة بين جميع الأنبياء، فهو يصمم على ألا يكون له أتباع، وهي رغبة يركز عليها؛ والإجابة فيما يبدو في أن زرادشت ليس متأكدًا من الحقيقة التي أجبرته على الهبوط من جبله.

نقتبس من “الفضيلة الواهبة” في الجزء الأول، حيث يتحدث بكلمات كان نيتشه فخورًا بها لدرجة أنه يضعها في نهاية مقدمته لكتاب “هو ذا الإنسان”: “انصرفوا عني واحترسوا من زرادشت! بل وأكثر من ذلك: اخجلوا من جرائه! فلعله قد خدعكم..”

إن نبيًا يشكك بذاته ويضع متلقيه في حال من الضياع، لهي مشكلة عظيمة، فقد اعتدنا الأنبياء يقررون وينبئون لا يجادلون! هل هي جزء من صراع نيتشه مع المسيح؟ بالرغم من أن تحذيرات كهذه تعطي انطباعًا محبطًا، إلا أن قراءة كتاب هكذا تحدث زرادشت ستجعلها تجربة لا تنسى.

يبدأ العمل بداية تثير الإعجاب، ينزل زرادشت عن جبله، يقابل شيخًا يجري معه حوارًا، ثم يصل إلى المدينة المجاورة لغاب، يرى حشدًا في الساحة يترقب بهلواناً، فيعلن موضوع رسالته المحوري: “إنني أعلمكم الإنسان الأعلى. الإنسان شيء لابد من تجاوزه. الإنسان الأعلى معنى الأرض. أناشدكم أن تظلوا أوفياء للأرض يا إخوتي”. هكذا يقدم أول مفاهيمه الثلاثة الرئيسية لزرادشت: الإنسان الأعلى، العود الأبدي، إرادة القوة.

للأسف لا يقدم نيتشه معلومات كافية حول الخطوات الواجب اتخاذها لضمان وصول إنسانه، ولا الشكل الذي سيكون عليه. لكن المفهوم الثاني يعطينا تعريفًا لهذا الإنسان الأعلى: إنه الكائن الذي يستطيع اعتناق فكرة التكرار الأبدي بابتهاج. أما المفهوم الثالث فيجعل الصورة أوضح؛ إنه متغلب على ذاته. تجدر الإشارة إلى أن زرادشت ليس إنسانًا أعلى بل نذيره.

تملأ المعاناة الوجود البشري إنها العنصر الأصعب لاستئصاله، أما السعادة فإنها سريعة الزوال، فنعتبرها سطحية وإغواء. أوجدنا السعادة الأبدية في العالم الآخر الذي لم نصله بعد. يتبنى شوبنهاور رأيًا متطرفًا، فيرى المتعة توقفًا مؤقتًا للألم، لكن نيتشه في هذه المرحلة أصبح معارضًا لشوبنهاور؛ ويعبر أن السعادة أعمق من المعاناة، في فصل “نشيد التهوام الليلي”، الجزء الرابع: “عميق هو العالم، وأعمق مما كان يظن النهار. عميق ألمه، والغبطة أعمق من آلام القلب: مر واندثر! يقول الألم. لكن كل غبطة تريد الخلود، خلودًا عميقًا، عميقًا تريد!”.

إنها عاطفة متقدة، وعلى صلة بالتكرار الأبدي. وفي موضع من نفس القسم يوضح زرادشت: “هل قلتم يومًا نعم للذة واحدة؟ يا أصدقائي، إذن فقد قلتم نعم لجميع الآلام! فجميع الأشياء متسلسلة ومتداخلة ومتعاشقة”.

يدور رأي نيتشه على أن تمني شيئًا يعني تمني كل شيء، والإنسان الأعلى يقول نعم لأي شيء؛ لأن اللذة والألم لا ينفصلان. رغم ذلك، لازال هذا الإنسان غامضًا، تمامًا كالمفهوم الذي سيعتنقه. فإن كانت كل دورة هي بالضبط مثل سابقتها وتاليتها، ولو كان التكرار الأبدي صحيحًا فإنها المرة اللانهائية التي أكتب فيها المقال، لكن هذا لن يحدث أي فارق من شأنه دفعي لتغيير محتواه. إلا أني أعترف أن شعوري تجاه الأشياء سيتأثر. هذه الفكرة ألهمت كثيرا من الفنانين العظماء والأعمال الرائعة، وليست هذه فقط مصدر قيمتها (وهي ليست أفضل أفكار نيتشه)، فالتكرار اللاهادف يجعل من هذا العالم خالدًا، إلا أنه يجرده من القيمة بشكل مستفز (حسب كونديرا).

تدور ثالث تعاليم نيتشه في هكذا تكلم زرادشت حول “إرادة القوة”. يركز نيتشه على علاقة القوة بالقيمة: “عبر التقدير فقط تغدو هناك قيمة”. وفي الجزء الثاني بعنوان “الانتصار على الذات” يقول: “في الواقع، لم يصب الحقيقة ذلك الذي قال بإرادة الوجود؛ فهذه الإرادة لا وجود لها [هذه ضربة عنيفة لشوبنهاور].. ولا إرادة إلا حيث توجد حياة، ولكن ما أدعو إليه هو إرادة القوة، لا إرادة الحياة”.

زرادشت نبي صيغ من قبل ويمكن مناقشته. يعارض الأنظمة وواضعيها، ويتناقض ذلك مع إرادة نشر جدول جديد للقيم، وهو يقدم تلميحات صعبة تجعله مستباحًا لتفسيرات عدة وسوء فهم كبير. هذا هو التقييم الأقسى لكتاب هكذا تكلم زرادشت وهذا لا يعني أنه عمل غير خالد وأخاذ.
‏_______‎__________________‎__

مصادر:

‏1- تانر، مايكل: نيتشه. ت مروة عبد السلام.
‏2- نيتشه، فريدريش: هذا هو الإنسان. ت علي مصباح.
‏3- نيتشه، فريدريش: هكذا تكلم زرادشت. ت علي مصباح.

تنويه: نحن لا نمثل هنا رأيًا نقديًا أو تحليليًا لنيتشه وفلسفته، إنما ننقل ونبسط ونلخص أفكارًا واردة في الكتاب المذكور.

اقرأ أيضاً: نيتشه.. المعرفة المرحة للرجل المتفائل (2)

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق