مدونات

نوال السعداوي… ومحاولة نفض التشويش الإعلامي!

تعد “نوال السعداوي” من الشخصيات المثيرة للجدل التي لا طالما رأيتُ مقتطفات من لقاءاتها الإعلامية تتداول في مواقع التواصل الاجتماعي وتتلقى من سخط المتلقي الافتراضي ما يصل إلى الدعاء عليها بالموت أحيانًا، وما كان يثير استغرابي هو الهوة الشاسعة بين نوال الكاتبة المفكرة وبين النظرة العامة التي تشمل رأي الفئة الأكبر التي أجزمُ أنها لم تطلع إلا على ما وجده من مقتطفات الفيديو المنزوعة السياق أو اللقاءات التلفزيونية التي تنطلق –هي الأخرى- من رؤى المتلقي الهجومي لتستفسر عن سبب هذا الجدل والكره، فلم أجد لقاء يناقش نوال السعداوي الطبيبة أو الأديبة أو الناقدة بعيدًا عن أسئلة تخص شخصها ومعتقداتها.

تعرفتُ على نوال السعداوي أول مرة في كتاب نقدي عنوانه “نساء على المحك” وفيه درست الناقدة النسوية المغربية نعيمة المدغري المرأة والأدب في أقطابها الثلاثة: المرأة في الخطاب الأدبي والمرأة الكاتبة الممارسة للأدب والكاتبة في خطاب النقد الذكوري.

وبفضل هذا الكتيب قرأت مقتطفات من مذكرات طبيبة لنوال السعداوي كما اطلعت على الهجوم النقدي الذي وُجِّه لها، ومن هنا قررت أن أتعرف على هذه الشخصية المثيرة وبدأت بقراءة “مذكرات طبيبة” التي بينت فيها نوال تمردها عن القواعد التي كان يجب أن تلتزم بها فقط لأنها أنثى، وأول تمرد هو قصها لشعرها وتحررها من ثقل ظفيراتها.

من مذكرات نوال السعداوي

تقول في مذكرات طبيبة: “أخي يقص شعره ويتركه حرًا لا يمشطه، وأنا شعري يطول ويطول، وتمشطه أمي في اليوم مرتين، وتقيده في ضفائر، تحبس أطرافه بأشرطة.” (مذكرات طبيبة؛ ص48) “خرجت لأول مرة في حياتي من البيت دون أن آخذ إذنًا من أمي. مشيتُ في الشارع وقد منحني التحدي نوعًا من القوة، ولكن قلبي كان يخفق من الخوف. ولمحتُ لافتة كُتب عليها: حلاق للسيدات. ترددت لحظة ثم دخلت. نظرت إلى خصلات شعري وهي تتلوى بين كفي المقص الحاد. ثم تهوي إلى الأرض. أهذه الخصلات هي التي تقول عنها أمي إنها تاج المرأة وعرشها؟ شعرت باستخفاف شديد نحو النساء؛ رأيت بعيني رأسي أنهن يؤمن بأشياء تافهة (…) استطعت أن أشد قامتي وأن أقف أمام أمي بشعري القصير…” (مذكرات طبيبة؛ ص18) كما حكت السعداوي عن فترة حياتها بكلية الطب وعن هواجسها التي رافقتها، فمن خلال هذه المذكرات تبين أنها تؤمن بالعلم والبرهان ولا شيء غيره وبالتالي قد يقول قائل: ملحدة! “فرحت بهذا العالم الجديد [عالم الطب] الذي يضع المرأة إلى جوار الرجل إلى جوار الحيوان [تشابه التركيبة الجسمانية] فرحت بالعلم، وأحسستُ أنه إله قوي جبار عادل، يعرف أسرار كل شيء،فآمنتُ به واعتنقته.” (المرجع السابق؛ 28)

إلا أنها في مرحلة من عمرها لم يستطع العلم إقناعها وبالتالي سقط الإله الذي لاطلما مجدته وتغنت به!! “لماذا يعجز العلم؛ ذلك الإله الجبار الذي حنيتُ له رأسي؟ لماذا يعجز عن أن يفسر لي كيف تفسد صمامات القلب بفعل الروماتزم؟. كيف توقف قلب المرأة الشابة إلى الأبد؟ كيف وُلد طفل حي من جسد امراة تموت؟… كيف تندلع الحياة وكيف تنطفئ؟ من أي عالم يخرج الإنسان؟ وإلى أي عالم يذهب؟! خرج الصراع الذي في أعماقي من نطاق الرجولة والأنوثة إلى الإنسانية جمعاء. رأيت الإنسان تافها بالرغم من عظلاته وخليا مخه وتعقيدات شرايينه… فيروس مجهول يصيبه من حيث لا يدري، فيجعل خلايا كبده أو طحاله، أو أي شيء آخر، تتكاثر بنَهَم وتلتهم كل ما حولها التهاما…. هذا الإنسان المغرور الجبار، الذي لا يكف عن الحركة والضجيج والتفكير والابتكار، هذا الإنسان يحمله على الأرض جسد بينه وبين الفناء شعرة رفيعة جدا، إذا قطعت ولابد لها أن تقطع فما من قوة في العالم تستطيع أن توصلها. نزل العلم من فوق عرشه، ووقع أمامي صريعا عاريا عاجزا … وتلفتُّ حولي حائرة قلقة. لقد حطم العلم إيماني القديم ولم يهدني إلى إيمان جديد. وأدركت أن طريق العقل الذي عاهدت نفسي أن أسلكه طريق ضحل قصير، في نهايته سد كبير.” (نفسه؛ ص32/33) ولم تجد سوى الطبيعة وحياة البادية ملجئا يخفف من خيبة أملها، تأملت الطبيعة وتمرغت في التراب واستنشقت الهواء بعيدا عن مفهومه العلمي وأكلت ما اشتهت بعيدا عن التفكير في مكونات الطعام وفي أضرارها… “حزمتُ متاعي القليل وركبت القطار ليحملني بعيدا عن المدينة، بعيدا عن أساتذة العلم ومعالمه (…) لأول مرة أجلس وحيدة مع نفسي، وأحسست أني أخلع عن نفسي كل أثوابها التي تراكمت عليها طوال السنين الماضية من حياتي. وقفت أمام نفسي عارية… عارية تماما… لم أمسك المشرط في يدي (…) تجردت من علمي وطبي، وتجردت من السنين التي عشتها (…) من الصراعات التي عاصرتني وأسلمتني إلى ذلك السهل الهائل الذي وقف في طريق تفكيري (…) لأول مرة يخفق قلبي فأحس دون أن أفكر، دون أن يشتغل عقلي ويرسم عضلات القلب وشرايينه(…) أصبحت لخفقات قلبي لغة جديدة لا يستطيع أن يفسرها العلم أو الطب، لغة أفهمها بأحاسيسي الغضة البكر، ولا أستطيع أن أفهمها بعقلي المجرب العجوز. أحسست أن العاطفة أكثر ذكاء من العقل، وأكثر رسوخًا في قلب الإنسان، وأكثر اتصالًا بتاريخه البعيد، وأكثر صدقًا وتجاوبًا مع طبيعته وبشريته اكتشفت أنني ضيعت عمري الذي فات في صراع ليس له أرض ها أنا ذا الآن أترك كل شيء وأبدأ من جديد؛ أبدأ من أول الحياة، أبدأ من الأرض البسيطة البدائية التي تنبث من تلقاء نفسها الحب والقمح.”

تستوقفنا هنا مجموعة من التساؤلات: ألم يرتبط الإلحاد بالنزعة العقلية العلمية ونفي كل ما لا يُبَرهن عليه؟ ألم تنتقد السعداوي من خلال كلامها العلم الذي لم يستطع الإجابة على تساؤلاتها؟ ألم تنعته بالقاصر والعجوز؟ على ماذا يدل هروبها من نزعة العلم والطب وضجيج المدينة إلى حياة البادية والطبيعة؟ ألم يكن تصالحها مع نفسها ومع الطبيعة بعد اكتشاف عجز العلم تأملًا في هذا الكون [بغض النظر عما تعتقده]؟

تمردت نوال السعداوي على الإيمان التقليدي الموروث واعتنقت العقل والعلم؛ لكنها تركت ما مجدته وقدسته لما فيه من قصور وعجز؛ فليس كل شيء يُدرَك بالعقل والبرهان، وهذا ما جعلها تعيد النظر في معتقداتها وتهرب إلى العالم الطبيعي الخام، عالم الإنسانية الخالية من النزعات العقلية والمرتاح من صراعات الحياة ومشاغلها… من بين ما تناولته السعداوي في كتابها “الوجه العاري للمرأة العربية” (الذي درست فيه المرأة في الأساطير [قبل أن يلدها آدم وحواء!] والمرأة ألإلهه والمرأة البدائية التي كانت السيدة قبل النظام الذكوري الأبوي والمرأة في الأدب العربي…) المرأة في الديانات؛ وبينت كيف أن الإسلام أكثر ديانة أنصفت المرأة [وإن انتقدت التعدد وما يتعلق بتفضيل الرجل على المرأة…].

أثنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينت الفرق بين إسلام الرسول والمسلمين، فهو صلى الله عليه وسلم كان يُخَيّر المرأة في أن تظل معه أو تذهب في سبيلها، كما كان يشاور نساءه ويتقبل مراجعتهن وانتقادهن بصدر رحب، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أحد مظاهر الحرية التي تمتعت بها المرأة في حياته صلى الله عليه وسلم وبالتالي في الإسلام [الحقيقي]، ومنه فأي سلوك من المسلمين من الصحابة الأجلاء إلى تابعيهم إلى المعاصرين لا يمثل الإسلام الحقيقي وإنما يمثل ما فهموه هم من نتاجات الفقه والفتاوى التي قد تصيب أو تخطئ والتي لن يصل أصحابها إلى شخصه وتعاملاته صلى الله عليه وسلم “وإذا كانت حياة محمد هي المثل الأعلى للرجال المسلمين، فمما لاشك فيه أن الرجال العرب في عصرنا الحديث لا يتبعون مثلهم الأعلى في الحرية التي كان يعطيها للنساء، وأنهم قد خالفوا النبي والإسلام حين فرضوا الطاعة على الزوجة أو مما يعرف ببيت الطاعة، وكم من زوجات عربيات أمسكهن البوليس بالقوة باسم بيت الطاعة وساقهن قصرًا إلى بيت أزواجهن يتضح من القصة التي يرويها عمر بن الخطاب بلسانه، قال عمر: وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار، فصحتُ على زوجتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه فدخلتُ على حفصة بنت عمر، فقلت: يا حفصة أتراجع إحداكن رسول الله يوما إلى الليل؟ قالت: نعم، فلتُ: خبت وخسرت ولا شك أن أغلبية الرجال العرب قد نهجوا نهج عمر بن الخطاب لكن محمد كان يعطي الزوجة حقها في مراجعة زوجها إذا أخطأ وإن كان هذا الزوج هو النبي نفسه.”.

وختمت دراستها بإقرارها بأن الإسلام فيه من الإيجابيات والمنافع الإنسانية ما لا يوجد في غيره إلا أنه يجب أن يُفهم ويُتبدر بعيدًا عن الخطابات الفقهية البشرية التي تسلط مصالحها ومعتقداتها على النص الديني. “إن الإسلام يتضمن كثيرًا من الإيجابيات التي يجب أن نظهرها ونفهمها فهمًا صحيحًا نابعًا من المراجع المعترف بها، وأنا مع الناس الذين يحاولون فهم الدين بعقلي أنا وليس بعقول بعض رجال الدين؛ ذلك أنه لا يوجد في الإسلام رجل دين”

يتضح من كلام نوال أنها مدركة لمنافع الإسلام على الإنسان عامة والمرأة خاصة وأنها لا تنكره ولكن لها نهجها الخاص، فالإسلام من وجهة نظرها عقلي يتدبره الإنسان بعقله بعيدًا عن أي مؤثر إيديولوجي أو نزعات متعارضة، خصوصًا وأن الإسلام لا يعرف ما يسمى رجل دين، كما تؤكد على الاستعانة بمراجع معترف بها. ويبقى النزاع والاختلاف حول العقائد قديما قبل نوال بكثير، وإلا لما تعددت الفرق والطوائف؟ ولما تنازعوا حول صفاته ووجوده سبحانه وتعالى وغيرها من مسائل الاعتقاد؟ نوال السعداوي طبيبة ومفكرة تستحق التمجيد والمدح لأنها ناضلت من أجل الحق الإنساني، وقد نالت كتبها من النجاح والترجمات ما لم يحض به القارئ الذي يشاركها لغتها بسبب ظلم الإعلام الذي يسوّق لصورتها على أساس الإلحاد وهتك الإسلام. أخذ العرب واستفادوا من مجموعة من المفكريين الذين لا يعتقدون بما نعتقد، فلما هذا الهجوم على نوال السعداوي!!

اقرأ أيضًا:دور المرأة بعد ثورة التحرر

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مريم الباز

مريم الباز، مغربية، 21سنة، حاصلة على الإجازة المهنية من المدرسة العليا للأساتذة

‫3 تعليقات

  1. نوال السعداوي مفكرة منقطعة النظير و للأسف تم تهميشها اعلاميا خوفا من أفكارها و جهلا بمدى إيجابية تلك الأفكار و الطابع التغييري المصاحب لها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق