ثقافة وفنون

نوادر مزبد المدني في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

وأنت تقرأ وتُقلّب صفحات كتب التراث العربي القديم، تستوقفك نوادر وحكايات وآثار وأخبار في نواحي شتّى وللنادرة وقعها الخاص في النفوس لما تصنعه من ترويح وطرافة وظُرْف.

وأنا أُطالع كتاب ” المقابسات ” لأبي حيّان التوحيدي الذي حقّقه ” حسن السندوبي” أجد مجموعة من النوادر الطريفة جمعها المحقق على هامش الكتاب، فرأيت أنّه من الجميل نشرها في هذا المقال، صاحب هذه النوادر هو ” مزبد المدني ” وأخباره موجودة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وغيره من كتب الأدب والتراجم، ومزبد المدني هذا كان رجلاً حسن البادرة، حلو النّادرة، سريع الخاطر، كثير الدّعابة، وهذه بعض نوادره أسردها هنا.

منها أنّ بعض ولاة المدينة أُحضر إليه، واتّهمه بشرب الخمر، فلمّا اسنسكهه لم يجد له رائحة فقال: قيّئوه! فقال مزبد: ومن يضمن عشائي أصلحك الله ؟ وقيل له: هل لك في الخروج إلى قبا والعقيق، وأخذ ناحيّة قبور الشهداء، فإنّه يومنا كما ترى طيب؟ فقال: اليوم الأربعاء ولست أبرح داري؟ قيل: وما تكره من يوم الأربعاء وفيه وُلد يونس بن متّى؟ فقال: بأبي أنتم وأمّي فقد التقمه الحوت؟ قالوا: فهذا اليوم الذي نصر الله فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم على الأحزاب؟ قال: أجل، ولكن بعد إذ زاغت الأبصار وبلغتِ القلوبُ الحناجر وظنّوا بالله الظّنون؟…وهبّت يوماً ريحٌ شديدة فصاح الناسُ: القيامة! القيامة! فقال مزبد: هذه قيامة على الرّيق، بلا دابة الأرض، ولا دجّال، ولا يأجوج ومأجوج؟! ومرض يوماً فقال له الطبيب: احتمي!

فقال: إلّا على الأماني، أفأحتمي منها؟! ورآه إنسان بالرها وعليه جُبّة خزّ فقال له: هب لي هذه الجبّة ! فقال: ما أملك غيرها، فقال الرجل: فإنّ الله يقول: { ويُؤثرونَ على أنْفُسِهم ولو كان بهم خصاصة } فقال: الله أرحم بعباده أن يُنزل هذه بالرها الآية في كانون، وإنّما نزلت في الحجاز في حزيران وتموز وآب … ومن لطائفه أنّه نظر إلى امرأته يوماً وهي تصعد في سلّم فقال لها: أنت طالق إن صعدت، وأنت طالق إن نزلت، وأنت طالق إن وقفت؟ فرمت بنفسها إلى الأرض، فقال: فداكِ أبي وأمي إن مات مالك احتاج الناس إليك لأحكامهم! وقيل له: أيولدُ لابن ثمانين سنة ولد؟ قال: نعم إذا كان له جارٌ ابن ثلاثين سنة! وقيل له: ما بال حمارك يبلّد إذا رجع إلى دارك؟ قال: لأنّه يعلم سوء المنقلب، وقيل له: أيسرّك أن تسقط من فوق البيت وتُعطى ألف درهم؟ فقال: لا وددت أنها لي وأسقط من فوق الثُّريا فقال له رجل: ويلك إذا سقطت مت؟ فقال: وما يُدريك لعلّي أسقط في التبانين أو على فُرش زُبيدة!، ونام مزبد في المسجد يوماً فدخل رجل فصلى ثمّ قال: ياربّ أنا أصلّي وهذا نائم؟ فانتبه مزبد فقال: يا بارد سل حاجتك ولا تحرّشه علينا؟ وغضب عليه بعض الولاة يوماً فأمر الحجّام بحلق لحيته فقال له الحجّام: انفخ شدقيك حتّى أتمكّن من الحلاقة؟ فقال له: الوالي أمرك بحلق لحيتي أو تعلمني الزمر؟ ودخل على بعض العلويين يوماً فجعل العلوي يعبث به ويؤذيه، فتنفس الصعداء وقال : صلوات الله على عيسى بن مريم، فإنّه أمته معه في راحة، لم يخلف عليهم من يؤذيهم؟

بعد قراءتك لهذه النّوادر ألا تجد أنّك ارتحت نفسياً؟ ما هو الانطباع الذي تركته في نفسك؟ ألا تجلو عنك بعض صدأ همّ الحياة، وأحزانها ومعاناتها ونكدها، وعليه أقول إنّ من الأهمية بمكان أن نعود إلى تراثنا العربي الأصيل لنغترف من معينه الذي لا ينضب مثل هذه الكنوز والذحائر

عقباوي موسى

عقباوي موسى باحث في الأدب العربي وتاريخ الأدب ومهتم بالفكر الإسلامي والتراث متحصل على شهادة ماستر من جامعة أحمد دراية ادرار بالجزائر
زر الذهاب إلى الأعلى