ثقافة وفنون

نقلت حضارة وتاريخ الأمم وخذلها العرب.. لغة الضاد تلوّح بالمغادرة

اللغة ليست فقط صفة تُوصّف مجموعةً من البشر بل هي أبعد من ذلك؛ إنها هويتك وشخصيتك ومستقبلك وحضارتك وتاريخ أسلافك. أنت من تحمل لغتك وتطوف بها في هذا العالم، وبعزة لُغتك تُعز وبذلها تُذل. حمل اللغة ليس بسيط بل مسؤولية كبيرة تقع على عاتقك. فهل أنت غيور على لغة الضاد وهل أنت جدير بحملها؟

يطلق على اللغة العربية لغة الضاد، وهي لغة القرآن الكريم، تلك اللغة التي أعطتك لقب أن تكون عربي، وتسابق إليها رواد عصرها وأبحروا بصرفها ونحوها وقواعدها، وأكرمها الله وأنزل بها آخر الكُتب السماوية، وهي ذات اللغة التي انتمى إليها العلماء والمفكرين والأدباء وانهالت عليهم بحور من الكلمات والمراجع والأدب والشعر، وتعجز كلمات اللغة العربية عن وصف رونقها وتاريخها، فعلى أجيالها حملها والتفاخر بها، حيث إنها تجعل كل من أدركها يقف عاجزاً عن وصف جمالها.

فهل نحن كعرب اليوم نستحق هذة اللغة وماذا فعلنا من أجلها؟ وماذا قدمنا للغتنا؟ وهل كنا جديرين بحملها؟ وهل تحملنا تلك المسؤولية؟ أسئلة كثيرة تُطرح اليوم على كل شخص يطلق على نفسة “عربي”.

هل جيل اليوم جدير بحمل لغة الضاد وتقديمها للعالم؟

نحنُ أجيال الإنترنت والتواصل الاجتماعي والتكنولوجيا، معظمنا مولُع بعصرنا الذي جعل كل شيء سهلًا وقرب إلينا ما نحتاجه فقط بكبست زر، ملايين من المعلومات تنهال علينا، نتسوق ونُشاهد آخر الأفلام والمسلسلات والبرامج، ونتسابق لمعرفة آخر الألبومات والإصدارات وأخبار الفنانيين ووصفات الطبخ، نحن جيل السرعة والوصفات السريعة، جيل معظمه لا يحب الفيديوهات الطويلة، أغلبه لا يريد أن يُتعب نفسه بقراءة الكُتب والأبحاث والمقالات، يعشق الاختصارات، يربط تمدنه وتحضره بعدد اللغات الناطق بها غير العربية.

تعلم المزيد من اللغات ليس سيئًا لكن أصول لغتك العربية أجدر بك أن تتعلمها أولاً، الجيل الحالي يعشق استخدام الكلمات الأجنبية عندما يتحدث وكلما كانت الكلمات الأجنبية أكثر في الكلام كلما كنت متحضرًا وعلى “الموضة”!، يعشق الشاشات والأضواء وعالم الشهرة، يجعل هاتفه باللغات الأجنبية فهذا جانب من التحضر. والأدهى من ذلك، أن بعضًا من جيلنا يستخدم الأحرف اللاتينية بمعنى أدق الأحرف الإنجليزية للتعبير والكتابة باللغة العربية أثناء المراسلات الهاتفية والتعليقات والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. فهذا أيضاً اليوم من باب التحضر! يبدو أن هناك خللًا في مفهوم التحضر لدى أغلبنا.

لم يكتف جيلنا بهذا فقط، بل يتسابق لتعليم أبناءه اللغات الأجنبية أما لغة الضاد فآخر اهتماماته. وفي بعض الأحيان، يراها غير مهمة ليُعلمها لطفله فهو يرى أنه اكتسبها من بيئته فلا داعي لها. وليس من الخطأ أن تعلم أطفالك اللغات الأجنبية ولكن الخطأ يكمن بتفضيل تلك اللغات على لغته. لا تفضل أي لغة في العالم على اللغة العربية فهي هويتك وهوية أطفالك فلا تُلوثها.

العرب ينتهكون حرمة «العربية»

الأكثر من ذلك، يوجد بيوت في العالم العربي تتحدث داخل المنزل باللغة الأجنبية بعيداً حتى عن اللهجة المنحدرة من اللغة العربية. ماذا فعلنا بلغتنا، لم ننتهك حرمتها فقط بل نحن نحملها للانقراض. نُبشركِ يا لغتنا أنتِ اليوم في كُتب تحملها الأرفف الخشبية بين جدران المكتبات لا يقرؤها أحد إلا ما ندر والقليل القليل من يزيل الغبار عن أوراقكِ اليوم.

نعتذر يا لغتنا كثيراً فلقد أطحنا بكِ ولكن الذنب ليس ذنبنا إنما نحن نتيجةً لأجيال سبقتنا لم تكن جديرةً أيضاً بحملكِ ولم تقف بوجه من يُحرّفكِ، ولم تكترث عندما تُهانين وسمحت لكل من هب ودب بتلاعب بكِ، فنحن ثمار أفسدت جمالكِ بقصدٍ أو من دون قصد.

وإن تكلمنا لماذا وصلت لغة الضاد اليوم لهذا المستوى لا يكفينا ملايين السطور. وكفى بنا تعليق فشلنا على شماعة المؤمرات الغربية والاستعمار ويكفي أن نلقي اللوم على جهات معينة ربما تعمدت الإطاحة بكِ.

وبعيداً عن الأسباب والنتائج والماضي والحاضر والمستقبل، يجب علينا الاعتراف بفشلنا في حمل هذة اللغة، علينا الاعتراف بأننا مقصرين بحقها، وأننا أضعنا اللغة العربية الفصحى بين موجات اللهجات العامية وأفكار وثقافات أساءنا فهمها.

عذرًا لغة الضاد

يا لغة الضاد عذراً لربما يوجد كلمات في مقالي كُتبت خطأً بحق كلماتكِ ونحوكِ وصرفكِ. كثير من اللغات العالمية أصابتها وعكات ولكن بسعي شعوبها عادت، وتلك هي آمالنا بالعرب والأجيال القادمة.

ولكن لاتعلمون بأن لغتنا العربية محارب لا يمكن قهره، ولغة تمتلك كرامة وعزة وشهامة وأصول وتاريخ ننحني بحضرته، وسيبقى الكثير من أبناءكِ العرب يفتخر بكِ غيوراً عليكِ ويصون حرمتكِ.

مهما تعددت لهجاتنا ستجمعنا اللغة العربية الفصحى بالنهاية فهي أم العرب وتستحق من الجهات العربية ومن وسائل الإعلام والفضائيات وإذاعات وصُحف ومشاهير ورواد مواقع التواصل والإنترنت وحتى سياسيين ومفكرين وعلماء، وكل من يطلق عليه كلمة عربي، وكل جهة تنتمي للعرب. جميعنا يجب أن نبذل مجهودًا ونسعى لننهض باللغة العربية الفصحى ونشرها وحملها بجِد ونقلها بأمانة والمحافظة عليها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

آمنة المولى

مهندسة / العراق

تعليق واحد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق