أسلوب حياة

نقتدي.. لنهتدي

قل لي من قدوتك أقُل لك من أنت!. حينما تسأل أحدا من قادة الغد شباب اليوم عن قدوته -إن كان يدرك معنى القدوة من الأساس- يرد مندفعًا بالإجابة بنماذج الأكثر شهرة والأغنى مالا بلا تقديم أي معنى أو هدف حقيقي.

بنظرة تأملية سريعة ستدرك أن هناك خللا ما في عقول هولاء، حيث أن طلائع الغد لا يتطلعون إلا إلى خبائث في الغالب، ويتمنون أن يحاكوهم في كل شيء، وبسؤال أحدهم لماذا تتخذ من هذا مثل أعلى، يرد بثقة وبشغف لا حدود له: هل تعلم كم راتبه في الفيلم الواحد؟ أو ألم تشاهد قوته المفرطة وطريقته الساحرة التي ينتصر بها؟إ اضطربت معايير اختيار الأسوة الحسنة إذن، وتحولت من الأخلاق والعلم وعلو الهمة، لكثرة المال أو القوة الزائفة.

الحقيقة أن هؤلاء صغار السن ضحايا، لا يقع عليهم كل هذا اللوم، حيث أن الفطرة السليمة تحث النفس على اصطفاء الأسوة الحسنة والاقتداء بها للسير على خطاها، و من المفترض أن أول قدوة في حياة الأبناء هم آبائهم، لكن إذا شب الطفل داخل منزل يفتقر القيم والمثل العليا.

وكمثال على ذلك نجد الآباء يحثون أولادهم على الصدق والأمانة وحسن الخلق، و في الوقت ذاته يشاهد الأبناء العكس من تصرفات آبائهم، فيشاهدونهم و يمارسون الكذب ليل نهار، ويفعلون كل ما ينهون عنه.

هنا تقع أول قدوة في غياهب الجب إلى حيث لا رجعة، ويفقد الأبناء الثقة في والديهم، فيتجهون للبحث عن قدوة خارجية، فيجدون أن هنالك أشخاصا محط إعجاب من الكل، ويحمد الجميع شمائلهم، ويجدون أنفسهم محاصرين من كل جانب بتلك النماذج،، في منصات الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي، فيحدث الانبهار، فينخدع الشباب الصغار بما يُصدر لهم من صور خاطئة للمَثل الأعلى، فيظنون أن لا ناجح ولا أحد ذو قيمة في المجتمع سوى الفنانين ولاعبي كرة القدم، فيتخذونهم قدوة، ويمنوا نفسهم بالارتقاء لمستواهم.

بجانب التعتيم المتعمد من جانب الإعلام لكل النماذج الجيدة من أصحاب الفكر والغايات النبيلة، نجد غيابا تاما  لمعظم المنابر الدينية، و التي تخلفت عن القيام بدورها في تثقيف المجتمع بأصول الدين، واحتواء الشباب لتعليمهم قيم دينهم، تلك القيم هى الركيزة الأساسية التي يبنى عليها المجتمع، فتبرز من داخل شبابه أجمل ما فيه.

تحث الأديان على فكرة القدوة الحسنة، فقد أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز باتخاذ رسول الله قدوة حسنة، لما له ما سمو ورقي أخلاقي، ورجاحة عقل وتفكير. فقال تعالى: (لقدْ كان لكمْ في رسول اللّه أسْوة حسنة لمنْ كان يرْجو اللّه والْيوْم الْآخر) (الأحزاب: ٢١)، ثم أمر رسوله الكريم بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل، ليهتدي بهم ويتعلم منهم. فيقول له: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) (الأنعام: 90)، فيأتي هذا التأكيد على أن ضرورة اتخاذ قدوة حسنة ليس رفاهية أو ترفا فكري، وإنما أمر وتكليف من رب العباد، لما فيه من صلاح للبلاد.

إذا نظرنا إلى الأمر نذرة متبصرة، سنتحقق من أن غياب دور القدوة الحسنة، واعتلال مفهومها الصحيح ليس من قبيل المصادفة، بل هي خطة ممنهجة لضياع الأمم، وتغييبها لقمعها ولإحكام القبضة عليها.

فنجد أن هناك تقاسما للأدوار بين الإعلام المسيس ومن يُفترض أنهم أهل العلم والدين لوأد الثقافة، حتى تعمى بصيرة الشعوب، ويسهل لهم تصدير صورة مخلة مختلة عن قدوة، فتضلل العقول عن كل قيمة وقامة حقيقية، ليتم سحقهم في أسفل براثن الجهل.

في الوقت ذاته هناك تنكيل شديد، بكل صاحب فكر ورأي سديد، ولكل عالم جليل، ونفي وإقصاء لكل رموز الثقافة والدين الحقيقيين، وكل من يريد بناء المجتمع الفاضل الذي يسمو بأفراده.

فهل نستطيع يومًا أن نعود للفطرة النقية، فنقتدي لنهتدي؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مريم أحمد حسين

كاتبة مهتمة بالشأن الثقافي والمعرفي، بدأت كتابة المقالات بشكل احترافي ونشرها منذ 2016، وتم نشر أول رواية ورقية خاصة بي في معرض الكتاب 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق