سياسة وتاريخ

نفطكم والعدم سواء

من جديد حقق دونالد ترامب إنجازاً سيساعده كثيراً خلال انتخابات الرئاسة القادمة، وتفاخر به على تويتر كما اعتاد قبل وبعد توليه الرئاسة، فقد هنأ مستهلكو النفط في الولايات المتحدة بأن أسعار النفط انخفضت وسيتمكنون من الحصول على الوقود بسعر أرخص من ذي قبل، وكالعادة كان السعوديون هم طوق النجاة لترامب كما عودوه حتى من قبل تولي رئاسة سيدة العالم.

زاد محمد بن سلمان من إنتاج النفط السعودي خلال الفترة الماضية، وبالرغم من انخفاض الاستهلاك النفطي عالمياً، نظراً لانخفاض استهلاك الصين تأثراً بفيروس كورونا الذي تفشي في أرجاء المعمورة الأربعة انطلاقاً من الأراضي الصينية، ومع زيادة السعودية من إنتاجها النفطي، انخفض سعر برميل الذهب الأسود لأقل سعر له خلال ما يزيد على العقد ليصل لخمسة وعشرين دولارًا.

اقتصادياً تلجأ الدول المنتجة للنفط لتقليل إنتاجها من هذه السلعة الاستراتيجية عندما ينخفض استهلاكه حتى يرتفع ثمنه، وتتمكن من إنعاش خزائنها بمبلغ ضخم من العملة الخضراء، لكن في الحالة السعودية التي عودتنا على كل ما هو مخالف للمنطق، وضع بن سلمان العربة أمام الحصان، وطلب من تحالف أوبك بلس المكون من دول منظمة الدول المنتجة للنفط وروسيا زيادة إنتاجها خلال اجتماع المنظمة الأخير.

وكما تقول أبسط قواعد المنطق، رفض منتجو النفط الأكبر حول العالم طلب بن سلمان الأخرق الذي سيكبدهم أفدح الخسائر، وحتى عندما حاول ولي العهد السعودي عقد الاتفاق منفرداً مع فلاديمير بوتين، رفض القيصر الروسي لما سيكون له من آثار سلبية على بلاده المنتج الأول للنفط خارج الأوبك، فأقدم بن سلمان على الخطوة منفرداً دون النظر لعواقبها الكارثية على السعودية وحتى على بقية الدول التي تشاطرها إنتاج النفط حول العالم.

قدر خبراء النفط خسارة السعودية من هذا القرار المتهور بثلاثمائة مليار دولار، وهو مبلغ سيزيد من المتاعب الاقتصادية للسعودية التي لا ينقصها متاعب نتيجة تدخلها العسكري في اليمن، علاوة على نقص الموارد المالية نتيجة إلغاء موسم العمرة، بالإضافة لاضطرار السعودية لطرح عملاقها النفطي أرامكو للاكتتاب لتعويض النقص الحاد في ميزان الإيرادات المالية، والتي ستتأثر أيضًا نتيجة فرار بن سلمان المتهور.

لكن ما غاب عن بن سلمان هو التأثير الخطير على سلامة العرش، ووجوب توفر بدائل للتحالف مع ترامب، فترامب الذي يتعامل مع من يفترض أنهم حلفاء واشنطن بعقلية التاجر متقلب المواقف، كما أنه كمن يقف في مزاد منتظراً من سيدفع أكثر، وبالتالي فمن السهل عليه التخلي عن حلفائه إذا حصل على ثمن أعلى.

سبب آخر يجب أن يدفع بن سلمان لإعادة حساباته، وهو سبب تاريخي واستراتيجي واقتصادي في آن واحد؛ وهو تضاؤل اعتماد أمريكا على النفط الخليجي، وبشكل أدق نفط السعودية، وذلك قرار اتخذ عام 1973 حتى لا يشل قطع النفط العربي المصالح الغربية هذا عن الشق السياسي، أما عن الشق الاستراتيجي فهو ابتعاد واشنطن عن الصراعات في الخليج مثلما صرح ترامب قبل أشهر خلال أزمة ناقلات النفط في الخليج العام الماضي، بعدما أصبحت بلاده أكبر منتج للنفط الصخري في العالم وهو السبب الاقتصادي.

سيستفيد ترامب من السعودية إلى أقصى حد في السلاح والنفط قبل أن يتخلص منها، ولا عزاء للمغفلين أصحاب الرهانات الخاطئة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق