سياسة وتاريخ

نظرية المؤامرة «فزاعة» سجنت أجيال و«صك غفران» المستبدين

اعتمدت الأنظمة السياسية عبر التاريخ لترسيخ مبادئ حكمها وضمان استمراريتها، على العديد من الأساليب والنظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لعل أسهلها وأكثرها جاهزية للتطبيق في كل زمان ومكان، هي نظرية المؤامرة “فزاعة” الأزمات التي يلوح بها النظام لترهيب الشعوب من “وحش خفي” يجهل عدده وعدته.

إشكالية المصطلح تخفي وراءها العديد من الأسرار والغرائبية، التي يفشل العقل غير النخبوي في تفكيك خيوطها وفك شفراتها، لذلك يكفي أن تلقي بمصطلح نظرية المؤامرة في الشارع، لتتلقفه الرعية، وتستكين إليه عقول الأغلبية الساحقة في تفسير الأزمات ومخلفاتها.

ولأن الأنظمة العربية تخصصت في صنع الأزمات، أصبحت نظرية المؤامرة رفيقًا دائمًا، وماركة مسجلة حتى في أبسط الأزمات وأتفه الخطابات السياسية.

لنظرية المؤامرة أبعاد سيكولوجية، تعمل على إحياء فطرة الخوف داخل الإنسان من جهة، وتلامس حدود الوطنية والضمائر من جهة أخرى، وتحول الحاكم حتى ولو كان مستبدًا، بريشة ساحر، من جلاد إلى ضحية، لأنه يمثل واجهة الوطن، تبرير الفشل، وتفسير الكوارث والمآسي، لا يحتاج إلا لميكرفون ودمية سياسية تعتلي منبرًا لتردد كلمتين كفرضية ثابتة، في قالب جاهز، نظرية المؤامرة هذا المصطلح الذي ولد من رحم الحروب والانتكاسات في بداية القرن الماضي.

تحول المصطلح إلى عكاز ترتكز عليه الأنظمة السياسية باختلاف أطيافها كلما احتاجت لذلك، ورغم أن الظروف التي نشأ فيها المصطلح وعرف طريقه إلى المعاجم ودهاليز الأروقة السياسية تختلف تمامًا عن الظروف الذي تعايشها أجيال السوشيال ميديا، إلا أنه بقى راسخًا في جميع الأجندات السياسية للأنظمة الشمولية، التي حولت الشعوب إلى مليشيات متناحرة فكريًا وثقافيًا واجتماعيًا.

وكثيرًا ما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لنظرية المؤامرة ولو بطريقة غير مباشرة، لأنها أوجدت بيئة تتنامى فيها الإشاعة وتنتشر، وهذه الأخيرة جزء لا يتجزأ من نظرية المؤامرة حيث إن فشل الربيع العربي، والترويج لمعارضي الخارج، ومحاولة صناعة الثورات من وراء الشاشات، الترويج للمغالطات والأخبار الكاذبة، كلها كانت وصفة مثالية غذّت مصطلح نظرية المؤامرة، حتى تجسد في ثوب “وحش” يهدد حاضر الشعوب في كل مرة، وخدمت صراعات أبناء الشعب الواحد الأنظمة الاستبدادية ورسخت حكمها.

نظرية المؤامرة ليست مجرد مصطلح، بل هي استراتيجية سياسية لها قواعد وأسس، حتى ولو كانت مسرحية ساذجة في ظاهرها، لأنها “صك الغفران” الذي يعيد للحكام شعبيتهم في صفوف العامة، وتطور الشعوب تكنولوجيًا لا يعني بالضرورة تطور وعيها السياسي، لأن معظم الشعوب العربية، لازالت تؤمن بنظرية المؤامرة، وبأن الخطر يتربص بأوطانها، دون مبرر منطقي واضح، فقط لأن الخوف من القادم، لازم يوميات المواطن العربي منذ عقود، وعشوائية الفكر والتسيير التي تطبع الأنظمة العربية، واستمرار غوغائية المصطلحات والخطابات الفارغة.

كل ذلك أغرق الأمة العربية في التخلف، وأوهم المواطن العربي البسيط منذ الخروج منذ الحقبة الاستعمارية بمخطط يستهدف البلدان العربية، وحتى الدين الإسلامي لم يسلم من فكرة نظرية المؤامرة فكثيرًا ما روّج أتباع الإسلام السياسي لفكرة أن استهداف أحزاب المرجعية الإسلامية هو استهداف للإسلام والمسلمين.

سجنوا أجيالًا كاملة في عقدة وهمية، لكن في كل مرة يقف فيها المواطن العربي أمام مرآة ذاته، متجردًا من شوائب الوهم، يرى أن المؤامرة الأعظم هي سيطرة الثلة الفاسدة على مفاصل الدول، وغرسها لبذور الفساد والطائفية في المجتمعات، وسيرى أن استغباء العقول واستدراجها مرارًا لحدود نظرية المؤامرة، كان بمثابة جس نبض لوعي الشعوب وقدرتها على تقرير مصيرها.

وإذا نجحت الشعوب في كسر حاجز نظرية المؤامرة بداخلها يومًا ما، ستكسر معه عقودًا من الاستعباد الفكري، وستعيد تركيب المشهد السياسي في بلدانها، وستصبح نظرية المؤامرة الكارت المحروق بيد الأنظمة، وستتجه الأنظمة السياسية بذلك رغمًا عنها للتعامل مع شعوبها وفقًا لوعيها الفكري و السياسي.

اقرأ أيضًا: الكاريزما السياسية.. مفتاح هتلر الذي أسر به قلوب الألمان

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق