أسلوب حياة

كيف تساعد “نظرية العقل” على فهم الآخرين؟

تُعتبر نظرية العقل مهارة اجتماعية معرفية مهمة، تنطوي على القدرة على التفكير في الحالات العقلية، سواء الخاصة بك أو حالات الآخرين، كما تشمل القدرة على إعزاء الحالات العقلية، بما في ذلك العواطف والرغبات والمعتقدات والمعرفة.

لا تقتصر نظرية العقل على التفكير في التفكير فحسب، بل تشير أيضًا إلى القدرة على فهم أن أفكار الآخرين ومعتقداتهم قد تكون مختلفة عن أفكارك، والتفكر في العوامل التي أدت إلى تلك الحالات العقلية.

لماذا يطلق عليها “نظرية العقل”؟

يشير علماء النفس إليها بهذا الاسم؛ لأن معتقداتنا حول ما يمكن أن يحدث في رأس شخص آخر هي كذلك نظريات، على الرغم من أنه يمكننا القيام بتنبؤات، إلا أنه ليس لدينا طريقةً مباشرةً لمعرفة بالضبط ما قد يفكر فيه الشخص، وكل ما يمكن الاعتماد عليه هو نظرياتنا الخاصة التي نطورها استنادًا إلى ما يقوله الناس، وكيف يتصرفون، وما نعرفه عن شخصياتهم، وما يمكننا استنتاجه بشأن نواياهم.

لماذا تعتبر نظرية العقل مهمة؟

إن ظهور نظرية العقل أمر حيوي خلال العملية التنموية؛ فالأطفال الصغار جدًا يميلون إلى أن يكونوا أكثر أنانيةً، وغالبًا ما يكونون غير قادرين على التفكير في الحالات العقلية للآخرين، ومع تقدم الناس في العمر، تظهر نظرية العقل الخاصة بهم وتستمر في التطور.

تلعب صياغة نظرية عقلية قوية دورًا مهمًا في عوالمنا الاجتماعية، حيث نعمل على فهم طريقة تفكير الناس، والتنبؤ بسلوكهم، والانخراط في العلاقات الاجتماعية، وحل النزاعات الشخصية.

للتفاعل مع الآخرين، من المهم أن يكون المرء قادرًا على فهم حالاتهم العقلية والتفكير في كيفية تأثير تلك الحالات العقلية على تصرفاتهم.

تسمح نظرية العقل للناس باستنتاج نوايا الآخرين، وكذلك التفكير فيما يجري في رأس شخصٍ آخر، بما في ذلك الآمال والمخاوف والمعتقدات والتوقعات.

يمكن أن تكون التفاعلات الاجتماعية معقدة، وحالات سوء الفهم يمكن أن تجعلها أكثر توترًا، من خلال المقدرة على تكوين أفكارٍ أكثر دقة حول ما يفكر فيه الآخرون، باستطاعة المرء الاستجابة بشكل أفضل وفقًا لذلك.

تطور نظرية العقل

يُعتقد أن النمو الأكبر لهذه القدرة على إعزاء الحالات العقلية يحدث بشكلٍ أساسيٍ خلال سنوات ما قبل المدرسة بين 3 و 5 سنوات، ومع ذلك يُعتقد أن عددًا من العوامل المختلفة تمارس بعض التأثير على تطور نظرية العقل، وقد اقترح بعض الباحثين أن النوع وعدد الأشقاء في المنزل يمكن أن  يؤثرا على كيفية ظهور نظرية العقل.

تتطور نظرية العقل مع اكتساب الأطفال خبرة أكبر في التفاعلات الاجتماعية، فيسمح اللعب والتظاهر والقصص والعلاقات مع الأهل والأقران للأطفال باكتساب فهمٍ أقوى لكيفية اختلاف تفكير الآخرين عن تفكيرهم، كما تُساعد التجارب الاجتماعية الأطفال أيضًا على تعلم المزيد عن كيفية تأثير التفكير على الأفعال.

يميل نمو مهارات نظرية العقل إلى التحسن التدريجي والمتسلسل مع تقدم العمر، على الرغم  من ظهور العديد من قدرات نظرية العقل خلال سنوات ما قبل المدرسة، فقد أظهرت الأبحاث أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و 8 سنوات، ما زالوا يطورون هذه المهارات، وفي الدراسات لايزال الأطفال في هذا السن غير أكفاءٍ في جميع مهام نظرية العقل.

وقد وجد الباحثون أيضًا أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 3 سنوات يجيبون عادة على أسئلة حول مهام نظرية العقل بشكل غير صحيح، وفي سن الرابعة يُظهر الأطفال عادةً فهمًا أفضل لنظرية العقل، على سبيل المثال، بحلول سن الرابعة يكون معظم الأطفال قادرين على فهم أن الآخرين قد يحملون معتقداتٍ خاطئة بشأن الأشياء أو الأشخاص أو المواقف.

مراحل نظرية العقل

وجدت إحدى الدراسات أن الأطفال يُحرزون عادة التقدم من خلال خمس نظريات مختلفة للقدرات العقلية، في ترتيب قياسي وتتابعي، هذه المهام من الأسهل إلى الأصعب هي كالآتي:

  1. الفهم بأن أسباب رغبة الناس في شئٍ ما -رغباتهم- قد يختلف من شخص لآخر.
  2. الفهم بأن الناس يمكن أن يكون لديهم معتقدات مختلفة حول نفس الشئ أو الموقف.
  3. الفهم بأن الناس قد لا يفهمون بأن شيئًا ما حقيقي أو قد لا يكون لديهم علم بذلك.
  4. الفهم بأن الناس يمكن أن يحملوا معتقداتٍ خاطئة عن العالم.
  5. الفهم بأن الأشخاص يمكن أن يكون لديهم مشاعر خفية، أو أنهم قد يتصرفون بطريقة ما وهم يشعرون بشئ آخر.

وجدت الدراسات كذلك أن نظرية العقل يمكن أن تكون غير مستقرة، بعبارة أخرى، قد يكون الأطفال قادرين على فهم الحالات العقلية في بعض المواقف، إلا أنهم يصارعون في حالات أخرى، وفي حين قد يكون الأطفال قادرين على اجتياز معظم مهام نظرية العقل في سن الرابعة أو كلها، فإن قدراتهم تستمر في التحسن والتطور خلال مرحلة المراهقة المتأخرة وحتى سن البلوغ.

وتشير بعض الدراسات أيضًا إلى أن الاختلافات الفردية في نظرية القدرات العقلية، ترتبط بالكفاءة الاجتماعية للطفل.

قد لا يكون مبعثا للدهشة أن يميل الأطفال الأكثر مهارة، في التفكير فيما يفكر فيه الآخرون إلى التمتع بقدرات اجتماعية أقوى.

كيف يقيسها علماء النفس؟

كيف يقيس علماء النفس بالضبط الطريقة التي يفكر بها الناس في أفكارهم الخاصة وأفكار الآخرين؟ واحدة من أكثر الطرق شيوعًا لتقييم قدرات نظرية العقل لدى الطفل تُعرف باسم مهمة المعتقد الخاطئ، تعتبر القدرة على إعزاء المعتقد الخاطئ للآخرين علامة فارقة في تشكيل نظرية العقل.

يكمن الهدف من مثل هذه المهام في مطالبة الأطفال بعمل استنتاجات حول ما قام به شخص ما أو ما يفكر فيه، عندما تتعارض معتقدات الشخص الآخر حول الواقع مع ما يعرفه الأطفال حاليًا.

بمعنى آخر، قد يعرف الأطفال أن هناك شيئًا حقيقيًا؛ فهم المعتقد الخاطئ يتطلب منهم أن يفهموا أن الآخرين قد لا يدركون هذه الحقيقة.

على سبيل المثال، قد يعلم الطفل أنه لا بسكويت متبقٍ في وعاء البسكويت، لكن هل يفهم أن أخته ليس لديها طريقة لمعرفة أنه لا يوجد بسكويت متبقٍ؟

مهام المعتقد الخاطئ لقياس نظرية العقل

كيف تعمل مهام المعتقد الخاطئ التي تُستخدم غالبًا في تجارب علم النفس؟ في “اختبار سالي آن” وهو أحد أكثر سيناريوهات المعتقد الخاطئ استخدامًا، تُقدم للأطفال دميتان تدعيان سالي وآن:

  • سالي لديها سلة بينما آن لديها صندوق.
  • تضع سالي رخامًا في سلتها ثم تغادر الغرفة.
  • أثناء رحيلها، تأخذ آن الرخام من السلة وتضعه في الصندوق.
  • عندما تعود سالي، يُسأل الأطفال الذين شاهدوا هذا السيناريو عن المكان الذي يعتقدون أن سالي ستبحث فيه عن الرخام.

إذن ما الذي تشير إليه إجابات الأطفال حول نظرية العقل لديهم؟ يجتاز الأطفال الاختبار إذا قالوا إن سالي ستبحث في السلة، إذ هذا يدل على أن هؤلاء الأطفال فهموا أن سالي لديها اعتقاد خاطئ حول مكان الرخام.

من أجل اجتياز الاختبار، يجب أن يكون الأطفال قادرين على التفكير فيما تفكر به سالي ويؤمنوا به، أما الأطفال الذين يقولون إن الرخام موجود في الصندوق، فلا يجتازون الاختبار، إذ يفشلون في إظهار فهمهم بأن معرفة سالي مختلفة عن معارفهم.

وفي حين تم تقييم نظرية العقل على مر التاريخ باستخدام مهام المعتقد الخاطئ فقط، فإن النهج المتبع حاليًا ينطوي على القياس عبر مجموعة من المهام التنموية، يتيح القيام بذلك على نحو أفضل للباحثين رؤية كيف تبرز نظرية المعالم الذهنية المختلفة مع تقدم عمر الطفل.

على سبيل المثال ، تظهر القدرة على فهم ما يريده الآخرون قبل القدرة على فهم المشاعر الخفية التي قد يشعر بها الناس.

مشاكل تعتري نظرية العقل

في حين أن ظهور نظرية العقل يميل إلى اتباع تسلسل يمكن التنبؤ به إلى حد ما على مدار النمو الطبيعي، أحيانا تسير الأمور بشكل سئ يمكن أن تكون لمشكلة نظرية العقل مجموعة من تعقيدات الخطيرة، إذ عندما يكافح الناس لفهم الحالات الذهنية، يمكن أن تعاني العلاقات الاجتماعية والتفاعلات.

التوحد

اقترح الباحث سايمون بارون كوهين وزملاؤه أن مشاكل نظرية العقل هي واحدة من السمات المميزة للتوحد، ففي دراسة بحثوا في كيفية أداء الأطفال المصابين بالتوحد في نظرية المهام العقلية، مقارنةً بالأطفال المصابين بمتلازمة داون، وكذلك الأطفال الطبيعيين، ووجدوا أنه في حين أن حوالي 80% من الأطفال الذين كانوا طبيعيين أو الذين يعانون من متلازمة داون، قادرون على الإجابة عن أسئلة نظرية العقل بشكل صحيح، في حين أن حوالي 20% فقط من الأطفال الذين تم تشخيص إصابتهم بالتوحد كانوا قادرين على الإجابة بشكل صحيح على هذه الأسئلة.

يُعتقد أن هذه المشكلة في تبنّي وجهة النظر، وفهم أفكار الآخرين، تسهم في الصعوبة التي يواجهها المصابون باضطرابات طيف التوحد مع بعض أنواع التفاعلات الاجتماعية.

السكيزوفرينيا

أظهرت الدراسات أيضًا أن الأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بالسكيزوفرينيا، غالبًا ما يظهرون أيضًا أوجه عجزٍ في نظرية العقل.

أظهر تحليل تجميعي شمل أكثر من 1500 مشاركٍ عيوبًا كبيرة في نظرية العقل لدى المصابين  بالسكيزوفرينيا، أظهر هؤلاء المشاركون مشاكل تتعلق بكلٍ من القدرة على فهم المعتقدات الخاطئة، والقدرة على استنتاج نوايا الآخرين.

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية
زر الذهاب إلى الأعلى