ثقافة و فنون

نظرية العدالة من منظور الفلسفة المعاصرة

ليس من باب الصدفة أن يكون الفكر الفلسفي الكانطي محل إلهام وسند للكثير من الفلسفات والفلاسفة المعاصرين الذين رفعوا لواء البحث وطرقوا باب السؤال وفتحوا أفق النقاش حول مفارقات العدالة ورهاناتها باعتبارها قضية عمومية وسياسية شغلت بال الكل منذ النصف الأخير من القرن الماضي.
ولاجدال كذلك في أن المنجز الفلسفي المعاصر الذي تبلور مع الفيلسوف الأمريكي جون راولز والمتمثل في صياغته لنظرية متكاملة في العدالة ليعد لحظة فارقة في صيرورة المثاقفة الفلسفية الأمريكية العسيرة بالتقليد الفلسفي الأنواري.
فلقد سعى رولز نحو تقديم تصور للعدالة يكون بديلا منهجيا ومعرفيا للمذهب البرغماتي الذي هيمن مع بنتام وجيمس وآخرين.. لردح من الزمن على التقليد السياسي الأنجلوسكسوني وذلك من خلال افتحاصه لليبرالية السياسية ومدى قدرتها على توفير الحقوق والحريات لمواطنين من مرجعيات دينية وفلسفية وأخلاقية متناقضة للعيش في فضاء واحد بشكل عادل،وكذا تشييده لنسق من المبادئ والأفكار التي ترى أن لكل شخص الحق الكامل في جملة من الحريات والحقوق المتساوية بين الجميع بحيث ينبغي للامساواة الاجتماعية والاقتصادية أن تضبط بشرطين أساسيين هما:
• أولا: أن تربط بمناصب ووظائف مفتوحة للجميع.
• ثانيا: أن تكون هذه اللامساواة في صالح أفراد المجتمع.
وفي هذا المضمار يمكن للقارئ في أعمال راولز أن يتنبه إلى صعوبة أحداث ميز واضح بين العدالة والإنصاف، ولعل السبب راجع إلى إطنابه في التأكيد على التماهي الجوهري الحاصل بين المفهومين؛ إذ تنطلق نظرية العدالة كإنصاف من فكرة وجوب النظر إلى المجتمع كنظام للتعاون المنصف، وأن الشخص الذي سيتعاقد مع أفراد مجتمعه ماهو إلا ذلك الكائن القادر على المشاركة في الحياة الاجتماعية ولعب دور معين في النسيج الاجتماعي، ولهذا فإنه يمتلك قدرة التأثير والالتزام بمختلف الحقوق والواجبات، وعلى هذا الأساس يقتضي الأمر اعتباره مواطنا، أي أنه عضو اجتماعي كامل النشاط مدى الحياة، وبما أنه مواطن فإنه شخص حر.
وعلى أساس هذه الخلفية نحت راولز تصورا يحمل في تضاعيفه ترابطا بين التوزيع المنصف للحقوق والواجبات والتقاسم العادل للمكاسب والثروات لأن المجتمع المحكم التنظيم في نظره هو ذلك المجتمع الذي يحكمه تصور عمومي للعدالة يجعل الجميع متفقا على مبادئها العمومية، ويكون أشخاصه أخلاقيون، أحرارا، ومتساوين وينظرون إلى بعضهم البعض على هذا الأساس سواء في علاقاتهم الاجتماعية أو السياسية.

والثابت أن مشروع راولز الفلسفي المتمثل في توضيح معنى الحرية الفردية كمصدر للعدالة الاجتماعية في المجتمعات المعاصرة قد شكل أيضا اهتمام رجال القانون، ويتعلق الأمر هنا على الخصوص، برونالد دووركين وهو أحد أبرز المفكرين الليبراليين الذين سيفرضون اسمهم ضمن النقاشات السياسية والقانونية الأمريكية في مرحلة الثمانينات والتسعينات، حول مواضيع الإجهاض والأخلاق الحيوية وعقوبة الإعدام، ففي سلسلة من المقالات التي اختار لها كعنوان: “ماهي المساواة ؟” سيشرع دووركين في فحص الأسس النظرية للعدالة التوزيعية والليبرالية، مؤكدا على ضرورة أن يكون سلوك العطاء والتوزيع حياديا، باعتباره شرطا ليبراليا لمساواة فعلية في الحقوق، التي لا يمكن للعدالة الاجتماعية المقبولة من طرف الجميع أن تقوم بدونها. كما شكل أيضا مدار اهتمامات الحركات الواسعة الخاصة بتجديد الفكر الليبرالي سواء كانت ماركسية أو نسوية أو مدافعة عن الحياة الاجتماعية.
وفي ضوء ما تقدم يمكن القول أن راولز من خلال تأسيسه لنظريته في العدالة قد استطاع أن يفتح أفقا لمراجعة تاريخ الفكر السياسي والأخلاقي و مسلكا لمناقشة التقليد الأنجلوسكسوني الذي ينتمي إليه كذلك، كما أظهر قدرة وكفاءة في إعادة النظر في جملة من المسلمات التي كان يقتات عليها الفكر الغربي في نهاية القرن الماضي حول العدالة والإنصاف والمساواة.

 
الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق