علوم وصحة

نظرية التطور حقيقة راسخة أم أكذوبة فاق عمرها 100 سنة؟

يقول إرنست ماير في كتابه this is biology إنه “بعد ربع قرن من دارون لم يعد هنالك حاجة إلى إثبات نظرية التطور حيث أصبح حقيقة راسخة مثل كروية الأرض ودورانها حول الشمس”. كما قال دوبزانسكي إنه “لا معنى لعلم البيولوجيا إلا في ضوء التطور”. ورغم ذلك لا زلنا نسمع اعتراضات تثار حول حقيقة التطور بعد أكثر من قرن ونصف من دارون، وعادة ما يكون من الأجدى عدم الرد عليها تجنباً لهدر الوقت والجهد بلا طائل. ورغم ذلك فإنه لا زال هنالك الكثير من الإشكاليات والجدالات في الأوساط العلمية حول بعض القضايا الرئيسية، وهذا ما يجعل التطور علمًا، وهو قابلية التفنيد والانفتاح على الاعتراضات والشكوك وتجاوزها بتفسير ما يفترض تفسيره.

اقترح دارون نظرية “الأصل المشترك” التي بموجبها تتصل حلقات تسلسل السلم التدريجي بطريقة تشبه انبثاق الفرعيات من فروع والفروع من شعب والشعب من جذع كبير يسمى شجرة الانتماء phylogenetic tree.  وهذه النظرية لا توضح فقط عملية التطور، بل هي تفسر العديد من الظواهر البيولوجية مثل الأعضاء المتناظرة في علم التشريح والتصنيف التصاعدي للمتعضيات في علم التصنيف، والتوزيع الجغرافي للكائنات الحية.

يحصل “الانتواع” إثر نشوء نوع حيوي جديد من خلال ظاهرة “العزل التكاثري” بين أفراد النوع المؤسس والعشيرة الأم، فالعزل التكاثري يؤدي إلى مراكنة توليفات جينية جديدة من شأنها أن تمنع حصول تكاثر ناجح بين العشيرتين. ويكون الانتواع مقترنًا دائمًا بالانتشار الجغرافي، وهنالك عدة أساليب مختلفة منها الانتواع التشعبي Dichopatric speciation والانتواع المحيطي Poripatric speciation. وفي الأول ينشأ حاجز جغرافي طبيعي في الوسط الذي تعيش فيه العشيرة، ما يؤدي لانشطارها إلى أنوية منعزلة عن بعضها، فتظهر توليفات جينية جديدة بين أفراد كل عشيرة مختلفة عن العشائر الأخرى، ومع تعاقب الأجيال يزداد الاختلاف ليصل لدرجة توليد آلية عزل تكاثري. والأسلوب الآخر يتضمن تحرك أو هجرة جماعات من أفراد العشيرة لأسباب مختلفة نحو مواطن جديدة مختلفة بيئيًا.

وتحدث “الطفرات” بشكل عفوي أو عشوائي، ويختلف معدل الطفرات حسب البيئة. يفترض أن تظهر الكائنات الحية ذات الجينوم الأكبر والمزيد من الانقسامات الخلوية في سلالة التكاثر معدلات تطفر أعلى لكل جيل، إذا كان معدل الطفرة لكل تكرار ثابتًا بين الأنواع. أدى تراكم الطفرات لعدم التجانس والتنوع بين الأنواع الموجودة. بهذا المعنى، يمكن اعتبار القدرة على إنتاج طفرات في خلايا سلالة التكاثر سمة رئيسية للكائنات الحية، حتى لو كانت الطفرات تمثل أيضًا خطرًا لا مفر منه.

لا يوجد نوع ينشأ بشكل مفاجئ لدى حدوث طفرة أيًا كان تأثيرها. لكن نظرية التطور تحدث بتراكم خصائص جينية وفيزيائية متميزة على مدى عدد كبير من الأجيال.

ولأن نظرية التطور تتعامل مع الأحداث الفريدة (مثل نشوء الثديات) فإنه لا ينفع الاعتماد على القوانين الكونية، وإنما يتم الاعتماد على الاستدلال بطرق مختلفة. وتتحدد القوة التفسيرية لتلك الاستدلالات بصمودها أمام محاولات التفنيد والاختبارات المتكررة. وفي الواقع يوجد الكثير من العلوم التي تعتمد على الأحداث الفردية مثل علم الكونيات (الذي نعتمد فيه الاستدلال بشكل كبير) والحفريات والجغرافيا والجيولوجيا. فهل يمكن إقصاء هذه التخصصات من الدائرة العلمية؟. ويقوم الاستدلال في فهم عملية التطور على طيف واسع من الأدلة المستمدة من علم الوراثة والحفريات والتشريح والجغرافيا الحيوية. يعتبر التنوع الجيني مهمًا في تقدير القرابة البيولوجية بين الأنواع، فقد سمحت بتقديرات أدق فيما يتعلق بقرابة البشر وبقية الثديات على سبيل المثال.

اقرأ أيضًا: هل تعلم أنه في نقطة ما من الماضي كانت مارلين مونرو وكلبها أقرباء!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق