علوم وصحة

نظرية “البقاء للأصلح” هل نسير إلى الهاوية؟

في عام 1864 صاغ الفيلسوف السير هربرت سبنسر مصطلح “البقاء للأصلح“، مدفوعًا بتأثره بنظرية تشارلز داروين في التطور من خلال الانتقاء الطبيعي، حيث قارن نظرياته الاقتصادية، بالنظريات البيولوجية لداروين، وكتب يقول: “السيد داروين يسميها “الانتقاء الطبيعي”، أو الحفاظ على السباقات المفضلة في الكفاح من أجل الحياة”. وقد أرسى سبنسر دعائم ما بات يعرف بمسمى “الداروينية الاجتماعية” مفسرًا النظم الطبيعية من خلال آليات الصراع الطبيعي، حتى باتت صفة “دارويني” سيئة الصيت وتطلق على كل ما هو بعيد عن الأخلاق الإنسانية. وإنك لن تجد صعوبة في ملاحظة تنصل العلماء من هذه الصفة بأي شكل من الأشكال.
من جهة أخرى، يجب علينا الإقرار بأن في الأمر تناقضًا بين ما ندعي وما هو قائم فعلًا، إذ أننا نحاول أن ننفي عن أنفسنا الصبغة الداروينية، في الوقت الذي ابتكرنا أنظمة اجتماعية أكثر قسوة وظلمًا من تلك التي تفرضها الطبيعة من صراع وعشوائية، ترزح تحت وطأتها الثقيلة معظم المجتمعات البشرية ويكثف الاستغلال الجشع للبيئات الطبيعية لصالح فئات قليلة أنانية مستبدة، وينتشر الفقر والمجاعات والجهل وانعدام الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للحياة الإنسانية الكريمة لدى عشرات ملايين البشر.
“البقاء للأصلح” .. إننا نعيش في مجتمع أكثر سوءًا من “الداروينية”، يتم فيه تكريس مبدأ الصراع والأنانية كحافز للتطور الحضاري وبوصفها جوهر الطبيعة البشرية، بدلًا من إرساء قيم التكافل والتعاون. لكن هذا خاطئ، فالطبيعة البشرية لا تقدم ردود فعل ثابتة، بل هي تمنح أنماطًا متعددة من السلوك. على سبيل المثال، قدم المفكر والحغرافي اللاسلطوي بيتر كروبوتكين فهمه للنظرية الداروينية على أنها تدعم عامل التعاون أكثر من العنصر التنافسي. فالأنواع الناجحة يميل أفرادها لإنشاء شبكات اجتماعية يتكاملون ضمنها.
لقد ازدهرت الحياة لمئات ملايين السنين قبل ظهور الهومو سابيان (الإنسان العاقل) في ظل سيادة القوانين الطبيعية، ولكن لم يسبق أن تعرض كوكب الأرض لخطر الفناء إلا في الفترة التي ساد فيها نوعنا في صورة الكائن الحضاري .. حيث أن هناك ما يشبه الإجماع من قبل علماء المناخ والبيئة حول الخطر الكبير للتغير المناخي على الحياة الأرضية، كما أن سباق التسلح وتوظيف التقدم التكنلوجي لغايات عسكرية وأخرى ربحية يجعل الأمور أكثر سوءًا، بالإضافة لخطر الرعب النووي والاكتظاظ السكاني. كما أن جميع الأنواع، بما فيها النوع البشري، تعاني من العبودية بشكل من الأشكال. 
ربما تضع الطبيعة حدودًا معينة أمام ازدهار حضارة ما، بحيث تهيء تلك الحضارة، عند مستوى معين، ظروف نهايتها المحتومة؛ ويوجد قناعة لدى بعض العلماء بهذا الاستنتاج، واعتقاد بأن حضارات ذكية عديدة قامت على كواكب أخرى، وسارت بطريق تطوري تصاعدي لتخلق ظروف إنهيارها، وأننا نسير إلى هذه النهاية بأقدامنا دون رجعة. هل حقًا نصعد إلى الهاوية من أجل أن نلقي بأنفسنا إلى الهاوية؟
إن حدسي ومنطقي يجعلانني متأكدًا أنه بالإمكان أن نكون أكثر عقلانية ونختار طرقًا أقل قتامة من أجل الطبيعة والوعي والحياة، وأبنائنا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق