ثقافة وفنون

نظرة متعمقة على مفهوم الحرية.. الحرية بين المطلقة والخاضعة لحتميات

طالما نادت أصوات الإنسان بالحرية، وعن كون الإنسان حر ولا يخضع ﻷي من الضروريات أو ماهو حتمي، إلا أن هناك من يرى هذا الأمر مجرد حديث لا أساس له من الصحة، حيث يرى أن الكون بقوانينه في حد ذاته حتمية تقيد من الحرية الفردية، وتجعله يستسلم لما وجده في الكون من قوانين. فترى ما هو مفهوم الحرية ؟

فبالمقارنة بين الاتجاهين الفلسفي والسيكولوجي والسوسيولوجي، سنجد صراعًا قائمًا بذاته في هذا الموضوع، بدءًا بالاتجاه الفلسفي الذي يؤكد أن الفرد مادام يتمتع بحرية الاختيار، فلا مبرر إذًا ﻷن يقر بوجود حتميات، حيث إنه هو المسؤول على أفعاله وسلوكياته، إلا أن الاتجاه السيكولوجي والسوسيولوجي يعارضان هذه الفكرة بقولهما أن المرء خاضع لضروريات نفسية واجتماعية تحد من حرياته.

برجوعنا إذًا لمبررات كل من هذه الاتجاهات، سنجد أن الشق الفلسفي يؤكد على كون الإنسان حرًا بكونه العنصر الرئيسي الذي يحدد مصيره، كما أن صدور الأفعال لا يمكن أن تكون إلا من محض إرادته، والدليل القاطع على ذلك هو كون جميع الأفعال تصدر من الإرادة الشخصية للمرء، وليس عن العوامل الخارجية.

حيث إن العوامل الخارجية حسب الجانب الفلسفي لاتتحكم في اتخاذ قرارات الشخص، وذلك راجع إلى كون الشخص قادر يمكنه تحدي العقبات التي تواجهه، ورغم كل مايحتمل أن يواجهه، فالقرار النهائي يعود للشخص، بالتالي هو المتحكم الرئيسي في أفعاله وهو المسؤول عنها في ذات الوقت.

أما الجانب السيكولوجي، فركر خلال معارضته لما تراه الفلسفة في هذا الصدد على الضغوط النفسية التي يتعرض لها المرء، إذ أن كثيرًا من القرارات التي يتخذها المرء ناتجة عن مزاجه المتقلب، فمن يتخذ قرارًا في وقت اليسر ليس كمن اتخذه في زمن التوتر أو الغضب، فعلى سبيل المثال عدد من الجرائم لم تكن لترتكب لولا الضغوط النفسية الناتجة في تلك اللحظة التي قام فيها الفرد بتلك الجريمة.

أما الجانب الاجتماعي فركز على الضغوط الاجتماعية بكونها ضمن أبرز العوامل التي تتحكم في تصرفات وقرارات المرء، فلا يمكن لشخص ما أن يتخذ قرارًا مخالفًا للعرف أو التقاليد أو الدين، وذلك لكونه يخاف من العقاب أو من ردود أفعال غير مناسبة، لذلك فلا يمكن الحديث عن حرية مطلقة مادام الفرد يخضع لسلطة المجتمع الذي ينتمي إليه.

كما يعد القانون بدوره ضمن أبرز العوامل التي تتحكم لحد الآن في حرية الشخص، حيث إن القوانين قيدت حرية المرء بشكل ملحوظ، وإن كان ذلك كله من أجل تنظيم العلاقات بين الأفراد، إلا أنه في الوقت نفسه خير دليل للقول بأن المرء قد يتمتع بحرية مقيدة ونسبية.

بالنظر للفلسفة، فإنها أكدت على كون الشخص حرًا مهما بلغت الأمور، إلا أن ذلك لا يمكن تعميمه على كل الأوضاع، خاصة حينما تنبثق عوامل اجتماعية وتنظيمية تحول دون تحقيق الحرية المطلقة، لكن هذا لا يعني أن نبرر فشلنا في الحياة، فإذا كان مفهوم الحرية مقيدًا بعوامل وقوانين الطبيعة فهذا من خلق الله وحسن تدبيره للكون، وإذا كانت العلاقات الاجتماعية تقيد الحرية للفرد فهذا ينصب في مصلحته، ومن واجبه المقاومة رغم الظروف، لكون الإرادة إرادته وإن كانت نسبية.

 

اقرأ أيضًا : القلم يهزم الطغيان: رحلة نضال المثقف الروسي ضد بطش السلطات

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق