ثقافة وفنون

نشأة وتطور اللغة (4)

يسود اتفاق عام بين أغلب العلماء اليوم بأن اللغة البشرية الرمزية تتصل بشكل وثيق بسلوك الإنسان الحديث، وذلك بالاستدلال المباشر على الآثار. فالإنسان الحديث وحده من بين جميع أنواع الرئيسيات التي سبقته ترك آثارا تدل على تفكير رمزي، وذلك ابتداء من العصر الحجري القديم الأعلى الأوروبي، وكذلك في إندونيسيا وأستراليا، وقبلها في جنوب إفريقيا منذ 70 ألف سنة تقريبا في كهف بولومبوس. وبقي السؤال حول كيف وأين ومتى تطورت “اللغة” البشرية، يشغل العلماء لفترة طويلة منذ نشر تشارلز داروين نظريته في التطور بالانتقاء الطبيعي. ويوجد عدة نظريات علمية ذات صلة بهذا السؤال؛ أحدها النظرية الاستمرارية. تفيد هذه النظرية بأن اللغة نظام رمزي أعقد بكثير من أن يكون قد نشأ بشكل مفاجئ، بالتالي يتم الافتراض بأن اللغة تطورت من أنظمة غير لغوية امتلكها أسلاف الإنسان الحديث. ويتبنى أغلب العلماء هذه النظرية. ويعتقد ستيفن بينكر أن اللغة هي تطور فطري، وقد تطورت بشكل تدرجي وتكيفي. وتفيد “النظرية الإيمائية” يأن اللغة البشرية تطورت من الإيماء الذي كان يستخدم لإيصال رسائل بسيطة. والدلائل التي تستند عليها هذه النظرية هي:

  1. اعتماد التواصل الإيمائي والصوتي على أنظمة عصبية مماثلة في قشرة المخ.
  2. الرئيسيات غير البشرية تستخدم الإيماءات للتواصل فيما بينها.
ويوجد نظرية تعرف باسم “نظرية الاستمالة” التي ترى بأن العلاقات الاجتماعية بين الكائنات البشرية تقوم على مبدأ المبفعة المتبادلة “ربت لي فأربت لك”. وفي زمن ما ابتكر البشر الكلمات كونها أقل تكلفة في تكوين جماعات متنامية يتفاعل أفرادها فيما بينهم بالتواصل الصوتي بدلا من التواصل الحسي والملامسة المكلفة للوقت والجهد. وقد ووجهت هذه الفرضية بانتقادات حادة كونها لا تفسر كيفية الانتقال من الاستمالة الصوتية (إنتاج أصوات جذابة ولكنها من دون معنى) إلى التعقيدات المعرفية والنحوية.
أما النظرية المقابلة فهي نظرية الانقطاع. في ورقة بحثية بعنوان “كيف تطورت اللغة” منشورة في 2014، من قبل نعوم تشومسكي وإيان تاترسال وجوهان بولويس وروبرت بيرويك، يعرف العلماء في ورقتهم مفهوم “اللغة” بأنها نظام معرفي حسابي محدد، يتم تنفيذه عصبياً، ولا يمكن مساواته بمفهوم واسع مثل “اللغة بوصفها اتصالا”. وإنه من الخطأ مطابقة الكلام مع اللغة، فالكلام هو واجهة خارجية محتملة للنظام اللغوي. يدعي هؤلاء العلماء أن اللغة نشأت بواسطة تغير جيني مؤثر حدث في فترة زمنية قصيرة عبر بضعة أجيال، أتاح القدرة على الإدماج الذهني. ويشيرون إلى أن الأدلة تدعم ظهور التفكير الرمزي منذ 100.000 سنة فقط أي بعد ظهور الإنسان العاقل. وقد وجد هذا التغيير لدى حامليه الأوائل متطلبات الأجهزة الصوتية للتعبير عنه. من الواضح أن إمكانات جديدة للفكر الرمزي ولدت مع أنواعنا المميزة تشريحيا، ولكن تم التعبير عنها من خلال محفز ثقافي ما. وفي غضون فترة قصيرة حصل انفجار إبداعي في السجل الحفري، فظهر الفن والابتكار والتنوع الثقافي وغيره. ووفقا لهذه النظرية فإن النقاش يكون كالتالي: إن أي تحور وراثي في التركيبة الجينية يكفي أن تظهر في فرد واحد حتى تنتشر في مجموعته الحيوية من خلال التكاثر. وإن التغيير اللازم كان القدرة المعرفية لبناء المعطيات المتكررة بشكل لامتناهي في العقل. يرى تشومسكي أن هذا التغيير الجيني الذي منح عقل الإنسان ميزة “اللانهائية” يشابه القدرة على العد. بالتالي فإن اكتساب اللغة كان فجائيا، وهذه القدرة من المنطقي أنه لا حاجة لها كي تنشأ عن نظام متدرج قبلها، حيث أنه لا توجد وسيلة للانتقال التدريجي من عقل قادر على العد حتى رقم معين إلى عقل قادر على العد إلى ما لانهاية. بالتالي فإن اللانهائية المتفردة ظهرت في عقل أولي متخم على عتبة التطور إلى عقل بشري بواسطة قانون فيزيائي، عقل صغير لكنه قوي وقادر، حجر أساس تمت إضافته عن طريق التطور البيولوجي.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى