ثقافة وفنون

نشأة وتطور اللغة (2) – نظرة على التنوع اللغوي –

إن أحد أسرار التنوع اللغوي اللانهائي يكمن في القصص الخيالية التي نسردها. إذ بإمكاني الحديث عن حضارات فضائية تسكن على كوكب يبعد عنا مسافة ثلاث سنين ضوئية، أدمغتهم ضخمة وأعينهم كبيرة، ضئيلو الحجم، جلدهم يشبه حراشف السحلية، سريعو التنقل بسبب مرونة أرجلهم.. كما ترى، يمكن أن أسرد بلا نهاية، وذلك كله من وحي الخيال، وهي أفكار مجردة لا تستمد من المعطى المباشر.
لننظر إلى هذه الجملة: “هذا الكومبيوتر الذي كتبت باستخدامه المقال الذي قرأته صديقتي لميس، واستلهمت منه الجملة التي نشرتها وعلقت عليها صديقتها وردة..”. يسمى هذا الإلحاق لفقرات بأخرى بالتعاقب، وهو صيغة رياضية لحساب الحد التالي لمتوالية بدلالة حد سابق أو أكثر. إن هذه الجمل المتعاقبة هي جمل صلة، والتعاقب يسمح للجمل بأن تنتظم بلا حدود. إذا أن لقواعد النحو خاصية تحويلية. لكن لو أمعنا النظر في أي جمل نستخدمها، سوف نجد أن هناك قواعد لا واعية نستخدمها جميعا من أجل فهم وتكوين الجمل والأفكار. وهذه القواعد العقلية لازالت مثار اختلاف بين العلماء اللغويين. فالكومبيوتر في الجملة السابقة يرتبط بالمقال، لكن المستمع يعلم أن لميس استلهمت من المقال وليس من الكومبيوتر. إن هذه مهارة لافتة. تكوين هذا النوع من الجمل يستخدم أربعة قواعد (انظر الصورة المرفقة). ولا أود أن أرهق عقل القارئ بدروس النحو المملة، لكني أردت أن أبين مدى التعقيد الذي يطلبه خلق جمل بسيطة (من يحب الألعاب اللغوية عليه قراءة كتب فيتجنشتاين أو تشومسكي اللغوية).
التنوع اللغوي
إضافة إلى ما سبق، تجدر الإشارة إلى أننا نستطيع تمييز جملة ما نحويًا حتى لو كانت لا تحمل أي معنى، مثل الجملة التي أنشأها نعوم تشومسكي: colorless green idea sleep furiously أي “تنام الأفكار الخضراء غاضبة”. كما وتلعب الكلمات الوظيفية مثل (إلخ، الـ، كان) دورًا كبيرًا في التنوع اللغوي وقواعد النحو، وهي تساعد في تمكين بناء الجمل. وأخيرا، نحن نعيش في عصر ابتكار سريع، وخاصة في المجال التكنلوجي، وهذا من شأنه صك كلمات جديدة تضاف إلى قواميسنا على الدوام: كومبيوتر، إنترنت، نانو.. إلخ.
هذا وتختلف القواعد باختلاف اللغات، وأنت بالتأكيد سوف تتحاشى طرح سؤال باللغة الصينية إن كنت تجيد لغة أخرى، فالصينيون أنفسهم فعلوا ذلك. وهنا يلعب التصريف دورا حاسما. ونظرا إلى ذلك يرى كثير من اللغويين أنه لا يمكن تطبيق قواعد عامة تشمل جميع اللغات. أما نعوم تشومسكي وفريقه فهم يزعمون وجود قواعد عميقة مشتركة بين جميع اللغات البشرية، معتمدين على مفهوم “الثابت والمتحول”. ويذهبون إلى أن أي كائن فضائي زائر سوف لن يميز بين لغة وأخرى. وعموما أرجو أن يكون هذا الدرس المختصر في النحو قد بين لنا مدى القدرات الإبداعية الكامنة وراء الجمل البسيطة، وهذا يوضح مقدار العبقرية التي تسببت في التنوع اللغوي والتي يتمتع بها دوستويفسكي وستاينبك وغيرهم من عمالقة الأدب.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق