سياسة وتاريخ

نستور ماخنو.. النموذج الثوري المغيب!

ولد نستور ماخنو لمزارعين فقيرين في جنوب أوكرانيا عام 1888. وانضم في عام 1906 إلى مجموعة من اللاسلطويين Anarchists المؤمنين بالحرية والفردانية والمساواة، وألقي القبض عليه بتهمة الإرهاب وحكم عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى السجن ثماني سنوات. وقد مثلت هذه التجربة المصدر الوحيد لثقافته. أطلق سراحه بعد الثورة الروسية عام 1917. فعاد إلى إقليم غولاي بوليي وإنخرط في نشاط ثوري سياسي، وقام بتنظيم سيطرة الفلاحين على الأراضي. أجبر على الهرب عندما إحتلت القوات الألمانية والنمساوية إقليمه خلال الحرب العالمية الأولى، وعاد ماخنو بعد الحرب في تموز 1918 لتنظيم فرقة فلاحية تحت راية اللاسلطوية السوداء. وقد طور ماخنو قوة مسلحة حقيقية عرفت باسم “الجيش الثوري الأوكراني”، يقوم على مبادئ الحركة السريعة (مثل البنادق الآلية، عربات الخيل الجبلية)، حيث كان يقطع 160 كم باليوم، والانضباط الصارم، ويقوم على أسس ليبرتارية تطوعية. كسب بهجماته على الإقطاعيين والسلطات الأخرى دعم الفلاحين. وجلبت الانتصارات لماخنو متطوعين جدد ولقب باسم “باتكو” (أي: الأب الصغير). وحكم جيش ماخنو الإقليم للخمسة أشهر الأولى من العام 1919، بشكل مؤثر وبدأوا بخلق مجتمع لاسلطوي تشاركي. حيث انتظم الفلاحون والعمال في كوميونات عمل حرة قامت على تبجيل المساواة، فقد تعين على الجميع العمل، أطفالا ونساء ورجال، كل حسب قدرته. كان مجلس إدارة كل وحدة منوطا به تنفيذ رغبات سكان المنطقة التي انتخبته، وقد اتحدت الوحدات الانتاجية مكونة دوائر انتخابية انتظمت بدورها في شكل إقليم. كان النظام الاقتصادي مستقلا عن أي حزب سياسي. حين كان الماخنويون يدخلون أي منطقة يعلقون لافتات كتب عليها:

“حرية العمال والفلاحين ملك لهم، ولن تخضع لأي قيود.. هم يديرون حياتهم بالشكل الذي يرونه مناسبا. إن الماخنويين لن يقدموا سوى العون والنصيحة، وهم لا يريدون ولا يمكنهم أن يحكموا”. لقد كان هذا شعارهم أينما حلوا.

في الحرب الأهلية الروسية سنة 1919 اصطدم ماخنو بكل من الجيش الأحمر والجيش الأبيض وحركة القوميين. عقد ماخنو والبلاشفة تحالفات ضعيفة في وجه أعدائهم المشتركين؛ الحكومة البلشفية كانت في ذلك الوقت تقوم بممارسة الرقابة وحل المنظمات اللاسلطوية. كان اللاسلطويون، وليس الجيش الأحمر، اليد الطولى في ضرب الجيش الأبيض المدعوم بريطانيا. لكن تروتسكي آمن بالقضاء على حركة ماخنو لرفضها الانصياع لتسلط البلاشفة وديكتاتوريتهم، وقام بتخوينهم. وفي نهاية نوفمبر من سنة 1920 قامت السلطة البلشفية بدعوة قادة الجيش الماخنوي إلى مدينةكريمييهللمشاركة في مجلس عسكري، وغدروا بهم وقتلوهم، وشنوا هجوما ضاريا على إقليم غولاي بوليي، فاضطر نستور ماخنو لوقف القتال بعد أن عجز عن الصمود، فلجأ إلى رومانيا في أغسطس 1921، ومن ثم انتقل إلى باريس حيث مات هناك بسبب الفقر والمرض سنة 1934. كانت تلك نهاية الملحمة البطولية لنستور ماخنو، الذي مثل نموذجا أصيلا للحركة الاشتراكية المستقلة التحررية للعمال والمزارعين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.
زر الذهاب إلى الأعلى