مدونات

نحو مفهوم جديد للأمانة

نتحدث في هذه السطور عن مفهوم مغاير لما هو متعارف عليه تجاه مفهوم الأمانة، فنحن في منعطف خطير من خلاله تتحدد وتتشكل هويتنا الثقافية، ومن التراكمات الفاسدة هي إسناد المهام لغير أهلها، ووضع شخص في وظيفة أو منصب لا تسمح قدراته العملية والعملية للتصدي لهذه المهمة.

فقد روي عن رسول الله أنه قال: “من استعمل رجلاً على عصابة -عصابة هنا تعني مجموعة من الناس ولا يقصد بها المفهوم الشائع تجاه كلمة عصابة- وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين”، بالإضافة إلى قوله “من أمّر عليهم رجلاً مجابة فعليه لعنة الله ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا”.

فالأمة التي تعبث فيها الشفاعات وتتحكم فيه الوساطة والمحاباة تعد أداة خبيثة لتدمير كفاءات تلك الأمة، وفرض الهجرة على العقول المستنيرة صاحبة الكفاءة والخبرة؛ لأنهم لم يجدوا فرصة تسمح لهم بإثبات ذاتهم.

ويقضى مفهوم الأمانة أن يكون في خدمة المصلحة العليا للشعوب، وفي حالة وجود انتخابات فإن رأيك إن لم يكن نابع من قرارة نفسك دون أي محاباة أو وساطة، فلا يملأ منصبًا إلا بمن له حق الجدارة وله من الكفاءة والجدارة مما يسمح له بذلك.

فقد ورد عن أبو ذر أنه تطلع إلى منصب فبين له الرسول أن لكل منصب معايير، ولكل مرحلة مفرداتها ورجالها، فقد قال له الرسول: “يا أبا ذر أنك ضعيف وإنها أمانة إنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”.

فالشابة الصالحة العفيفة التي أخبرت أباها عن النبي موسى قالت: “يا أبتي استأجره إنا خير من استأجرت القوي الأمين”، فالخير كان في شيئين هما القوة والأمانة، فالحق بدون قوى تدافع عنه وتنفذ قانونه فهو بلا فائدة، ولنرى سيدنا يوسف الذي لم يرشح نفسه لتولي خزانة مصر معتمدًا على النبوة أو الرسالة بل قال: “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”، فهو صاحب خبرة في هذا المجال الاقتصادي وعليه فهو رجل المرحلة ورجل الوظيفة التي لا تسد إلا به، وعندما ملأ الوظيفة بالأمانة والشرف والنزاهة، قال له العزيز إنك اليوم لدينا مكين أمين.

ولقد تعلمنا من الإسلام أن العقائد والعبادات والأخلاق  والسلوك هي جزء أصيل من كيان الأمة، فهي أمة الخير والشرف والأمانة والصدق والتعاون على الخير، وهذه هي معايير الكمال للمجتمع المثالي للإنسانية، ومعايير التدين الحقيقي متمثلة في تلك القيم، فالتدين لا يتمثل في الشكل بقدر ما يتمثل في قيم وعادات صحيحة مترابطة داخل المجتمع الواحد.

فملاحقة الضلال والفساد هي أمانة مجتمعية لفرض الإطار الأخلاقي والاجتماعي؛ لذلك كانت الأمانة تبدأ من عظماء القوم وأكابرهم وحتى أصغر فرد داخل الأمة، فالمسؤوليات توزع من سدة الحكم إلى الخادم في مال سيده، فالأداء الشريف في المعاملات هو السلوك القويم، وهو المرآة التي تعكس أشكال السلوك القويم في المجتمع.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى