علوم وصحة

نحو فهم عميق لـ “ظاهره البيدوفيليا”

“ظاهره البيدوفيليا” .. إن المقاربة الموضوعية، لظاهرة العنف الجنسي ضد الاطفال. تتطلب بالضرورة استحضار تصور شمولي، مركب يتلائم وطبيعة الظاهرة التي تنتمي إلى وقائع العالم الإنساني. حيث تعدد العوامل والأبعاد المتحكمة فيها. وتعقد سماتها بالإضافة إلى خصائص الزئبقية والحركية التاريخية. التي تميز هذا الصنف من الظواهر. الذي تعتبر من  من التابوهات والمسكوت عنه خاصة داخل المجتمعات التقليدية والمغلقة كالمجتمع العربي. الذي يغلف هذه الظاهرة بالنزعة الأخلاقية. إذًا .. فما المقصود بالبيدوفيليا؟ هل هي اضطراب مرضي أم إنحراف أخلاقي؟وما طبيعة العوامل والدوافع المولدة لهذا  الشذوذ الجنسي؟ ما هي الاستراتيجيات والحلول الكفيله بالوقاية والعلاج من هذه الظاهرة المرضية؟

الإطار الدلالي لمفهوم البيدوفيليا.

تعود الأصول التاريخية لإطار نشأة مفهوم البيدوفيليا. إلى القرن 19. أي مع بداية التشكل المبدأي للإرهاصات الأولى للعلوم الإنسانية. أو ما يصطلح عليه عند الألمان بالعلوم الروحية. باعتبارها علوم تهتم بمعالجة ما يطرأ على صفحة الوجدان، العواطف والنفس البشرية بشكل عام.

ظواهر تتسم بالحياة، الحرية و النزعة الأخلاقية. لذلك فهي تنفلت من قبضة المقاربة العلماوية الصارمة. اعتمدوا مبدأ السببية والحتمية (le déterminisme, la cousalité). التي تميز العلوم الدقيقة. إن التذكير بهذا التأسيس النظري العلمي لمفهوم البيدوفيليا لا يعني أنها حديثة النشأة. بل أن ظاهرة الغلمانية واشتهاء والولع بالاطفال. ضاربة في عمق التاريخ. وعرفتها المجتمعات منذ القدم. باشكال مختلفه كما تؤكد على ذلك الابحاث الإنثروبولوجية والأركيولوجية. بالاستناد إلى مجموعة من الرسومات والمستحتات والأثار التي خلفتها الحضارات السابقة. ( كالحضارة الرومانية، اليونانية الفرعونية والعربية الاسلامية…).  وقد عرف المجتمع العربي حضور صورة الغلمان والخصيان والمرد:( الطفل الذي لم ينبت بعد شعر لحيته).  حيث نجد داخل الشعر الجاهلي والعصر العباسي و الأموي. أبيات يحضر داخلها تغزل بالغلمان.  وبالعوده إلى دلالة مفهوم البيدوفيليا من الناحية اللغوية. فهو يحيل على الولع والشهوة والميول ذو الطبيعة الجنسية، اتجاه الاطفال دون سن 13 من طرف البالغين.

هذا السلوك المنحرف يشار إليه داخل الأدبيات السيكولوجية. بكونه اضطراب نفسي مرتبط بالوسواس القهري(trouble obsessionnel compulsif ) والذي يتسم بعدم القدرة على التخيلات و الاستهامات les fantasmes. ذات الطبيعة الجنسية. هذه الاضطراب السيكولوجية تاخذ بعدين أساسين: بعد يسمى بإدمان جنسي طفولي. يكون في شكل أفكار، اتجاهات، ميولات واندفاعات جنسية اتجاه الطفل. باعتباره مركز اللذة دون اقترانه بالعنف والعدوانية. بعد ثاني وهو اتجاه عدواني سادي، يتسم بالعنف الجسدي لكينونة الطفل. وهو الأكثر خطورة لانه ذو طابع تدميري.

 المقاربة السيكولوجية لظاهرة البيدوفيليا.

تكاد تجمع مختلف المدارس السيكولوجية. على كون البيدوفيليا هي اضطراب عقلي ذو طبيعة سيكوباتية. كما تؤكد على ذلك (الجمعيه الامريكيه للطب النفسي) الذي أدرجته ضمن لائحة الأمراض والاضطربات العقلية، منذ سنه 1968 اعتمادًا على الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية DSM.

فهو اضطراب مرتبط بتوترات المزاج. اضطراب الهلع(panique de désordre). كما أقامت اتجاهات سيكولوجية أخرى هذا الخلل النفسي بإضطراب الوسواس القهري. وأظهرت الدراسات الحديثة ذات التوجه المعرفي. أن البيدوفيليا ظهرت لدى مصابين بهوس السرقة(kleptomania).

واستطاعت الدراسات المعاصره لأصحاب الاتجاه البيوعصبي. الوصول إلى حقيقة علمية جديدة. تتمثل في وجود خلل في النشاط الدماغي المسؤول عن الإثارة الجنسية.  بالإضافة إلى حدوث إصابة في المنطقة الدماغية المسؤولة عن الذكاء. بما يعني وجود تاخر في النمو السيكولوجي المتعلق بالقدرة الخاصة بالفرد. التكيف والتطور والملائمة مع الواقع. وهو ما يفسر توجه البيدوفيلي نحو الأطفال من خلال تشكل الوعي الذاتي  الجسدي والمعرفي كطفل في علاقته بطفل آخر. يأخذ طابعًا تخيليًا جنسيًا.

هذه النتائج تم التوصل إليها عن طريق فحوصات الرنين المغناطيسي لدماغ المصابين باضطرابات البيدو فيليا. (irm) وخلصت مدرسة التحليل النفسي المعاصر. على غرار الأبحاث التي قام بها أحد تلاميذة فرويد(كورت فرويند). إلى حدوت أزمة في مراحل التودد الجنسي لدى الفرد. (مرحلة البحث عن الشريك المحتمل، مرحلة ما قبل التفاعل الجسدي، مرحلة التفاعل الجسدي ومرحله الاتصال الجنسي). تؤدي إلى تشكل صورة مرضية عصابية( névroses). ترافق الطفل خلال مراحل حياته المستقبلية كراشد.

فحسب هذه الدراسة. إن البيدوفيلين تعرضوا لصدامات سيكولوجية، خلال مراحل حياتهم الأولى. لذلك فالمعالج النفسي دائمًا ما يقوم باستعادة الذكريات الطفولية. والماضي المنسي والمسكوت عنه في حياة الطفل التي تشكل نقطة الحسم في التشخيص الفعال للاضطراب السيكولوجي.

الحلول الكفيلة بمعالجة ظاهرة البيدوفيليا

إن المقاربة العلاجية، لظاهرة معقدة ومتشابكة الأطراف خطيرة العواقب. لأنها تهدد الكيان السيكولوجي والسوسيولوجي للأسرة والمجتمع بصفه عامة. باعتبار الطفولة هي نواة الأمة ومستقبلها تتطلب بالضرورة، اتخاذ الإجراءات التالية، من ضمن أخرى بعين الاعتبار:

_ ينبغي تبني مقاربة شمولية علمية لظاهرة البيدوفيليا تأخذ بعين الاعتبار الجوانب والعوامل المنتجة لهذه الظاهره وذلك بالإستناد إلى نتائج البحث العلمي واعتماده  في اتخاذ القرارات التدبيرية والسياسية، يكون أساسها الحكامة والعقلنة

_ اعطاء الأولوية داخل المجتمعات العربية لبرامج التوعية والتحسيس التثقيفي للأسرة بخطورة هذه الظاهرة  عن طريق التشجيع على الحوار الفعال بين الآباء والأبناء لتكسير كل التابوهات التقليدية والمعيقات الماضوية الموروث عن الأجداد والسلف السابق.

_ ينبغي اعتماد التربية الأسرية والجنسية. داخل المدرسة. بما يعني ذلك ملائمة هذه البرامج للمراحل العمرية للطفل والخصوصية الثقافية للمجتمع وتكوين الأطر التربوية والإدارية قصد التنزيل السليم لهذه الاستراتيجيات.

_ إقحام التربية الإعلامية  داخل البرامج المدرسية نظرًا للدور الذي أصبحت تلعبه الصورة المنبعثة من الشبكة العنكبوتية في صناعة القيم والسلوكات الفردية وتوعية الأسر بخطورة المحتوى المنتج داخل الوسائط الإلكترونية.

_إن السبيل لمواجهة هذه الظواهر الباطولوجية. مثل “ظاهرة البيدوفيليا”. هو اعتماد العلاج السلوكي والمعرفي والهرموني (تحقن بعض الهرمونات المضادة للأندروجين(antiondrogene) . لتخفيف الرغبة الجنسية وتعطي أيضًا  بعض مضادات الاكتئاب  (les antidépresseurs ). طرق ليست فعالة 100%بالنسبة لجميع الحالات. وتحتاج إلى مواكبة مستمرة في الزمان والمكان. بالإضافة إلى ضرورة تبني المقاربة الحقوقية والقانونية. بما يضمن تحصين للبنية المجتمعية بإعتبار الطفولة تشكل مستقبل الأمة.

اقرأ أيضًا: الحب الأفلاطوني الذي لم يترجم

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق