سياسة وتاريخ

نحو النظام العالمي البديل.. العرب والعالم والقرن 21

منذ عام 1990، ومصطلح النظام العالمي الجديد تلوكه الألسـن على جميع المستويات الثقافية والسياسية بل والجماهيرية أيضًا، وتصور بعض الواهمين أن هذا النظام الجديد هو بداية لسلام ينعم به العالم خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وحاول هؤلاء الواهمون تحليل الأمر على أن ثمة نظامًا جديدًا سيضمن للجميع الحق في الحياة، والحق في الحرية والمساواة، ولم يفطن هؤلاء إلى أن جوهر هذا النظام الذى يدعون إليه هو نفس جوهر النظام العالمي القديم ولم يتغير، إنما التغير في تشخيص العدو من الاتحاد السوفيتي إلى دول وحضارات أخرى، وهذا الجوهر فى مجمله لا يخرج عن صفة “الاستعمار والاستغلال”.

نعم الاستغلال؛ استغلال الإنسان في كل شيء ولكل شيء، وتحويله إلى آلة ومادة، وليس خليفة لله على الأرض ليعمرها. وإذا عدنا إلى التاريخ قليلًا، إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية لنرى كيف كان العالم، سنجد أن النظام العالمي حينئذ كان يقوم على “قطبية جماعية”؛ مجموعة من دول العالم المتقدم تحتكر كل شيء بدءًا من التجارة العالمية إلى تجارة الحروب والسلام، وكانت الدول المستعمرة مناطق نفوذ، أو بالأحرى دول محتلة تنهب خيراتها وتسلب إرادتها ويتم تحويلها سياسيًا إلى النمط الذي تريده الدول الاستعمارية.

وقد قامت هذه الدول بعمليات نهب لثروات الشعوب بشكل منظم لم يعرف له التاريخ مثيل، وهذه القطبية الجماعية تنوعت ما بين بريطانيا وفرنسا ثم الاتحاد السوفيتي وأمريكا، وكان إلى جوارهم بعض الدول الأخرى وإن لم تكن بنفس النفوذ والاستعمارية. ووسعت كل هذه الدول فى احتلالها للشعوب حد إلى إفراغ تلك الشعوب من قيمها وثقافتها وزرعها بالقيم الغربية الاستغلالية.

وفي الإطار ذاته، ظهرت الفاشية والنازية والصهيونية، ولم يكن ظهور الصهيونية وترحيب الغرب بها إلا دعوة لحل مشاكل أوروبا مع اليهود عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، فحينما كان ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية، يتحدث عن إنشاء دولة يهودية يضمنها القانون الدولى العام، فإنه كان يعني القانون الغربي الاستعماري الذي يتحكم في العالم ويقسمه حسب رؤيته ومشيئته.

ولذلك صدر وعد بلفور في هذا الإطار، إذ أعطت بريطانيا الحق لنفسها في أن تمنح أرض فلسطين للفائض البشري اليهودي في الغرب، ثم قام النظام الدولي من خلال هيئة الأمم المتحدة، بتقسيم فلسطين ومنح الوجود الصهيوني شرعية مستمدة من شرعية هذه الدول دونما النظر إلى أصحاب الأرض الحقيقيين.

الحرب العالمية الثانية فاتحة النظام العالمي الجديد

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية وانتهت إلى ما انتهت إليه، برز على الساحة الدولية نظام لا يمكن القول بأنه جديد ولكن نقول مختلف إلى حد ما، فكل ما تغير منه أن هناك دولًا خرجت من هذه الحرب منهكة القوى وضعيفة الإرادة أو دولًا استنزفتها الحرب، فخرجوا جميعًا من ساحة الصراع على مناطق النفوذ، وانشغلوا ببناء أنفسهم، ومحاولة تعويض ما دمرته آلة الحرب.

ولم يهتم بذلك النظام العالمي دولتان، بل أصرتا على أن تظلا في موقع الصدارة؛ وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وحاولتا جاهدتين أن تكونا بديلين لأي منطقة نفوذ يتم إخلاؤها من الدول الكبرى التي خرجت من المنافسة. وظلت هاتان الدولتان في صراعهما على مناطق النفوذ حتى انقسم العالم، وتحول نتيجة هذا الاستقطاب إلى معسكرين (المعسكر الغربى والمعسكر الشرقي).

وذاعت وانتشرت الشيوعية التي بشرت بعالم جديد يكون خالياً من الاضطهاد ومن سيطرة رأس المال والعبودية، ويحقق العدالة الاجتماعية. ولذلك لم يكن من الغريب أن يكون معظم أنصار المعسكر الشرقي من دول العالم الثالث التى كانت تسعى لإرساء هذه المبادىء وتحقيقها، وانخدعت هذه الشعوب بهذه المبادىء البراقة التي يبشر بها النظام العالمي وانتظرت تحقيق الحلم كثيرًا ولكنه لم يتحقق.

وفي نفس الوقت، استمر هذا النظام الدولي – متمثلاً في شقيه الرأسمالي والشيوعي – في الاعتراف بالدولة الصهيونية ودعمها سواء بشريًا عن طريق هجرة اليهود من شرق أوروبا، أو ماليًا وعسكريًا من خلال الدعم الذي تقدمه دول غرب أوروبا والولايات المتحدة، وهو دعم ظل يتزايد في حجمه ونوعه يومًا بعد يوم حتى وصل إلى التحالف الاستراتيجي المعلن بين إسرائيل والولايات المتحدة.

ظهور حركة عدم الانحياز

ومع بروز حركات التحرر الوطني في الدول المستعمرة، قام النظام العالمي بضربها بعنف شديد، وعندما لم يفلح حاول الالتفاف عليها بأن منح الدول المستعمرة استقلالًا شكلياً، وأسس نظمًا سياسية عميلة مستعدة أن تعطيه امتيازات يفوق عائدها ما كان يحصل عليه من الاستعمار العسكري المباشر.

لذا اتجه قادة هذه الحركات إلى الكتلة الشيوعية أملًا منهم في تحقيق العدل الاجتماعي والبعد عن الاستغلال، ولكن لم يمض الوقت الكثير حتى رأى بعض زعماء هذه الحركات الوطنية أن هذا الحلم لن يتحقق، وذلك لأن الشيوعية ما قامت إلا على مبدأ “الاستغلال” الذي حاولت أن تحاربه في النظام الرأسمالي، وأن المبادئ الشيوعية ما هي إلا مبادئ لاستغلال الإنسان وتحطيمه من الداخل، وجعله ترس في آلة كبيرة بدلًا من أن يكون ترسًا في آلة صغيرة، وهو يعمل في هذه الآلة دون أن ينظر إلى نفسه وإلى طموحاته، وهو ما يتنافى مع مبادئ الفطرة السليمة، ولا يختلف كثيرًا في جوهره عن الرأسمالية البغيضة.

وبدأ هؤلاء الزعماء التفكير في محاولة خلق نظـام يقاوم طرفي الاستغلال (الشيوعي والرأسمالي)، وكان نتاج هذا التفكير “حركة عدم الانحياز” التي قادها باقتدار الرئيس المصري حينئذ جمال عبد الناصر، وحاولت الحركة أن تلعب على التناقض بين المعسكرين في محاولة منها لاستخلاص بعض المكاسب لشعوبهم بعيدًا عن تحكم واستغلال القوى الكبرى التي لم يكن تفكيرها ينصب في خانة المبادئ والمثل العليا بقدر ما كان ينصب في خانة استغلال هذه الشعوب وتسخيرها وتسخير إمكاناتها من أجل الارتفاع والقوة والمنافسة على قيادة العالم عبر مزيد من الاستغلال والتبعية.

ولكن النظام العالمي ظل على حاله، ولم تستطع حركة عدم الانحياز إحداث تغيير كبير فيه؛ نظرًا لظروف التآمر الدولي عليها، لأنه لم يكن يراد لأي دولة أن تكسر حاجز الاستغلال والتبعية. هذا إلى جانب أن حركة عدم الانحياز لم تكن في حقيقتها إلا بعض الدول المنحازة ولكن بشكل لا يصل إلى التبعية الكاملة.

ولذا لم يكن مستغربًا أن يقف المعسكر الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفيتي، موقف المتفرج وهو يرى نظام الرئيس جمال عبد الناصر المناصر له ينهار فى حرب 1967. ومع ذلك لم يتحرك، بل ورأى أن في ذلك مصلحة له لكي لا يقود العالم الثالث دولة لها القدرة على الانتصار على آلة الحرب الأمريكية والاحتلال الصهيوني.

وظل الوضع على ذلك، حتى انهيار الاتحاد السوفيتي والمبادىء الشيوعية، ونظر العالم إلى القطبية التي كانت ثنائية فلم يجد إلا قطبًا واحدًا هو الولايات المتحدة، وظن كثير أن هذه القطبية هي الباقية، وأن بقاءها دليلًا على قوتها، وأنها هي الحاكمة، وهي التى ستظل. ولذلك أطلق الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، مصطلح النظام العالمي الجديد راغبًا في أن يكون هـذا النظام الجديد هو نظام القطب الأمريكي الواحد الذي يتحكم في العالم.

وانطلق مسمى النظام العالمي الجديد، وراح المبشرون به يفسرونه ويقولون أن هذا النظام الجديد ينطلق من الإيمان بأن ما يحرك الإنسان هو الدوافع الاقتصادية، وأن المحرك الأكبر في المجتمع هو السوق الحرة. وهم في ذلك لا يتوقفون عند هذا المستوى الاقتصادي فحسب، وإنما ينتقلون ويؤكدون أن التحالفات السياسية في الوقت الحاضر لابد ألا تستند إلى الأيديولوجيات وإنما إلى المصالح الاقتصادية، وأن الصراع لا يتم بشأن المبادئ وإنما بشأن المصالح؛ وذلك لأن المصالح يمكن حسابها ويمكن إخضاعها لعمليات رياضية دقيقة.

وكانت هذه نظرة منطقية لمن يبشرون بهذا النظام العالمي الجديد، فهم يعتقدون أنهم المنتصرون فى الحرب الباردة، وأن بقائهم كان لصلاحية نظريتهم الرأسمالية؛ ولذا كان منطقيًا أن يتصورون أن القيادة في هذا النظام العالمي لابد أن تكون للقوة الاقتصادية العظمى – أي للمجتمع الصناعي الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالى فإن الدول كلها يجب أن تنضوي تحت هذه القيادة.

ولكن هل هذا التحليل صحيح؟ وهل النظام العالمي الآن أحادي القطبية ممثلًا فى الولايات المتحدة الأمريكية؟ الواقع يقول غير هذا؛ فالولايات المتحدة الأمريكية (قائدة العالم الغربي الرأسمالي) تواجه مشاكل المديونية وعجز الميزان التجاري، فالدين الأمريكي يزيد على 7 تريليونات دولار، ويتنبأ بعض الاقتصاديين بأن الولايات المتحدة التي أضعفها الركود ستصبح ثالث قوة اقتصادية بعد أوروبا واليابان.  هذا في الوقت الذي بدأت تظهر فيه مراكز اقتصادية غير غربية تطور نفسها خارج شبكة الهيمنة الغربية مثل الصين.

ولذلك؛ فإن هذا النظام الذي يتنبأون به لن يكون صاحب طابع أحادي القطبية، ولكنه سيعود مرة أخرى إلى نظام ذو طابع جماعي القطبية، فهناك دول تصعد اقتصاديًا وتنافس الولايات المتحدة، بل وتهزمها اقتصاديًا داخل دولتها مثل الصين، وهناك أيضاً دول تسعى إلى الصدارة الاقتصادية وهي النمور الآسيوية مثل ماليزيا وكوريا وتايوان وإندونيسيا.

العرب والنظام العالمي الجديد

إذا انتقلنا من الناحية الاقتصادية إلى الحالة السياسية، فإننا نرى النظام العالمي الجديد ورؤيته لعالمنا العربي ومحاولة تفكيكه وتجزئته، بل تجزئة التجزئة. ولنضرب مثلًا بما حدث للعراق في أزمته مع الكويت (90 ـ 1991) وتعامل هذا النظام العالمي الجديد مع الأزمة، فنرى هذا النظام يقوم بحصار العراق وتجريده من سلاحه وقدراته العلمية قبل العسكرية، وهو يضعف من دولته القومية المركزية، ويقوي الطوائف والمذاهب حتى يصبح العراق بلدًا ضعيفًا ومتآكل داخلياً، ولا يستطيع أن يستعيد عافيته لعشرات السنوات القادمة.

ومثال آخر، وهو ما يحدث مع ليبيا الآن من حصار منذ عام 1992، ومحاولة ضربها والادعاء بوجود المصانع الكيماوية بها، وذلك بسبب قضية لا تستحق كل هذا الضجيج، ولكنه النظام العالمى الجديد الذى لا يريد لأي دولة عربية أو إسلامية النهوض، والأمر كذلك يتم له التحضير في السودان بمحاولة الحصار، هذا بالطبع غير ما يحدث على أرض فلسطين المحتلة بشكل يومي من محاولات طمس الهوية. وهكذا دواليك، ولو ثبت أن إحدى الدول بدأت تنهض وتقف على قدميها وتحقق استقلالها وتنمي نفسها خارج النظام العالمي الجديد فإنه لابد من أن يكون مصيرها هو مصير هذه الدول.

وعلى الجانب الآخر، يحاول النظام العالمي الجديد تثبيت أركان الدولة الصهيونية من خلال عمليات الاستسلام (السلام) التي يروجون لها، ومحاولة خلق شرق أوسط جديد يقوم على دمج الكيان الصهيوني مع الدول العربية من خلال ما يدعون له من أهمية الاقتصاد قبل الهوية، وذلك من خلال مشروع السوق الشرق أوسطية.

وما دفاع الولايات المتحدة عن الصهاينة إلا حلقة من حلقات دعمها السـياسي والمادي والعسكري الذي يستمر لضرب العرب والمسلمين. وها نحن قد رأينا كيف انبرت أمريكا ودعت ثلاثًا وثلاثين دولة للمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ؛ وذلك في محاولة منها لوقف تصعيد انهيار الدولة الصهيونية نتيجة ضربات المقاومة الإسلامية الاستشهادية.

ورأينا كيف كان الموقف على النقيض تمامًا، حينما بدأت دولة الكيان الصهيوني في ضرب جنوب لبنان في أبريل عام 1996، تلك العملية التي راح ضحيتها أكثر من مائتين من الشهداء اللبنانيين من المدنيين العزل من النساء والأطفال، وهذا هو منطق النظام العالمي الجديد في تثبيت الدولة الصهيونية وإدماجها في منظومة السوق الشرق أوسطية.

هذه النظرة على ما تروج له الولايات المتحدة من النظام العالمي الجديد قد يبدو فيها أن الوضع يسير في غير صالح العرب والمسلمين، ولكن إذا نظرنا بالفعل إلى إمكانياتنا وسعينا لاستغلال هذه الإمكانيات فإن النظرة سوف تتغير، وسوف نعلم أن دورة الحضارة التي بدأت من الشرق ومن العرب سوف تعود مرة أخرى إلينا. وهذا هو نظامنا العالمي البديل.

إن العرب والمسلمين هم أصحاب النظام العالمي البديل، ونظرة متفحصة تجعلنا ندرك كم هم مؤهلون لقيادة هذا النظام إذا ملكوا سيادتهم واستغلوا إمكانياتهم، وإذا كان من يحكمهم يتم اختياره بيد الشعوب.

ومن البدهي، أن المسلمين أمة واحدة أينما كانت أراضيهم ومهما نأت ديارهم؛ وذلك لأنهم يشتركون فى عقيدة واحدة وهي عقيدة التوحيد، وهذا ما صرح به القرآن الكريم: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” (الأنبياء: 92).

نظرة الإسلام لدور الإنسان

الإسلام ليس له حدود طبيعية يتوقف عندها لا يتعداها كما هو الحال بالنسبة للمذاهب الوضعية الأخرى، فهو فكرة أصيلة، ودعوة مخلصة، وجهاد مقدس في سبيل الله حتى قيام الساعة، وإن نظرة الإسلام للأرض وللحياة أنها أرض الله والحياة ملك لله، وما الإنسان إلا كائن سخر الله له الأرض وما عليها واستخلفه عليها من أجل إعمارها وعبادة الله.

ونظرًا لهذه النظرة المتكاملة للإسلام فقد كان من الطبيعي أن يحاول الاستعمار عبر التاريخ الطويل السيطرة على الدول الإسلامية وعلى خيراتها، ومحاولة طمس هوية الأمة، لأنه إذا طمست هذه الهوية كان من السهل عليه تمزيقها، والإجهاز على وحدتها وتفكيكها وتجزئتها، ولذلك حاول الاستعمار زرع مقولة (فصل الدين عن الدولة وعن السياسة) وكان هذا محاولة لإبعاد اهتمامات الإنسان المسلم لما يواجهه من تحديات وأخطار كانت ولا زالت تحدق بوحدة أمته وتطورها نحو الأفضل.

تجزئة التجزئة

ولم يكتف الاستعمار بتجزئة العالم الإسلامي بإقامة الكيانات الانفصالية على أرضه ولا بمحاربة ثقافته وتراثه الأصيل، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحول لاستخدام سلاح أخر أكثر خبثًا وتهديدًا لوحدة المسلمين ولمستقبل نهوضهم وتطورهم، وهو سلاح العنصرية والطائفية، فجعل العرب مقابل الفرس والأتراك والبربر والأكراد، وجعل السنة مقابل الشيعة، بل محاولة الوقيعة بين أبناء الوطن الواحد إذا كان فيهم المسلم والمسيحي. وبالفعل فقد نجح الاستعمار في أن يقطع شوطًا بعيدًا على هذا الطريق لدرجة أن الكثير من أبناء الأمة الإسلامية قد نسوا أو تناسوا شرعية وحدة أمتهم وحقيقتها الإلهية.

فالأمة الإسـلامية أساسها الإيمان بالله والتقوى وليس اللغة والمكان والعرق، وفي هذا يقول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير” (الحجرات: 13). وكان وضعًا طبيعيًا لحالة التجزئة هذه إيجاد حالة من عدم التكامل إن لم نقل التناقض في معالجة ما يعانيه المسلمون من معضلات اقتصادية وسياسية.

إمكانيات العالم الإسلامي

المعروف أن العالم الإسلامي يضم خيرات كثيرة مثل البترول والمعادن والمياة والأراضي الزراعية، وكذلك الخبرات البشرية والأيدي العاملة، ولكن كل هذه الإمكانيات لا يمكن أن ينعم بها في ظل حالة التجزئة، وذلك لأن أي دولة لا تستطيع أن توفر كل هذه الخيرات في أراضيها بصورة منفردة. فمثلًا السعودية والكويت اللتان تمتلكان موارد بترولية غزيرة واحتياطيًا هائلًا منه، تنقصها الأنواع الأخرى التي منحها الله لبعض الأقطار الأخرى من القوى البشرية والمياة العذبة والأراضي الزراعية، والعكس من ذلك يمكن أن نجده فى أقطار أخرى.

وتبعًا لحالة التجزئة هذه، فإن ظواهر أخرى قد ظهرت في المجتمعات الإسلامية أولها ظاهرة التبعية الاقتصادية للخارج، حيث الاعتماد على أسواق العالم الغربي وأمريكا، مما يجعل اقتصادها مرتبطًا تلقائيًا بالاقتصاد الأجنبي. هذا بالإضافة إلى تأثر هذا الاقتصاد بالهزات التي تشهدها وباستمرار اقتصاديات هذه الدول متحملًا بذلك أفدح الخسائر المالية. وكنتيجة منطقية لذلك فإن اقتصاد العالم الإسلامي يخضع اليوم لرحمة الاحتكارات العالمية ورغباتها واستغلال وجشع شركاتها.

ولقد حبا الله بلاد المسلمين بمعين لا ينضب من النعم والخيرات لعلهم بذلك يتمكنون من تشييد صرح رصين لكيانهم السياسي والاقتصادي اللائق بهم كأمة رسالية أنيط بها دور حضاري وثوري فى إشاعة الخير والعدل بين البشر مصداقًا لقوله تعالى: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه” (آل عمران: 110).

وأول هذه الخيرات هي (الموارد البشرية) ويعتبر السكان أساس هذا النوع من الموارد، والأمم المختلفة تهتم اهتمامًا كبيراً برأسمالها البشري؛ لأنها بدونه لا يمكنها الإفادة من الأنواع الأخرى من الموارد الاقتصادية، ولحجم السكان دور مؤثر في تحديد قدرة البلد وتأثيره في مجال العلاقات الدولية، كما أن هناك علاقة وثيقة بين عدد السكان والمقدرة العسكرية والاقتصادية لأي بلد، فالقوة العسكرية الحديثة تستلزم المزيد من الرجال لا في ساحة القتال فحسب، وإنما في حقل الصناعة والتجهيز الحـربي، وما تتطلبه فعاليات الدعم والتموين خلف جبهة القتال.

هذا بالنسبة إلى القدرة العسكرية، أما من حيث علاقة حجم السكان بالمقدرة الاقتصادية فيمكننا أن نجد تأثيرها فى عدد من المجالات، فمن ناحية يمكن للبلد الذي يمتاز بوفرة سكانه أن يجد العدد اللازم من الأفراد لأداء الفعاليات المختلفة والاختصاصات والكفاءات المختلفة، كما أن هذه الوفرة تخلق سوقًا كبيرة تساعد على إقامة الصناعات الحديثة وتطويرها. بشرط توافر سياسة اقتصادية سليمة.

وإذا انتقلنا من نعمة زيادة السكان والموارد البشرية لوجدنا أن عالمنا الإسلامي يتمتع بنعمة أخرى لكي يتربع على عرش النظام العالمي الجديد، وهي أن معظم بلدانه من البلدان الزراعية، ولقد مارس الإنسان فيها الزراعة منذ قديم الزمن، وكان العالم الإسلامي مكتفيًا ذاتيًا فترة طويلة من الزمن في سد حاجاته من مختلف المحاصيل الزراعية، كما أنه يمتلك مصادر وفيرة للمياة تأتي في مقدمتها الأنهار الكبيرة مثل نهر النيل ودجلة والفرات وغيرها، هذا غير المياة الجوفية والعيون والأمطار، إلى جانب الثروة الحيوانية وما تشكله من أهمية خاصة فى اقتصاد أي بلد، باعتبارها من المسائل ذات الصلة المباشرة بمسألة الغذاء والتغذية.

كل ذلك إلى جانب ما يتمتع به العالم الإسلامي من الثروات المعدنية والبترول الذى يعتبر سلاحًا خطيرًا فى مواجهة قوى الاستكبار العالمي، وما يشاع بين الحين والآخر من أن هناك من الوسائل والاختراعات ما يجعل البترول وسيلة للطاقة من الدرجة الثانية يعتبر هراء. والدليل على ذلك أن العالم أجمع بقيادة الولايات المتحدة قد تم استنفارهم في حرب الخليج الثانية (90 – 1991) لإحساسهم بأن منابع البترول يتهددها الخطر، هذا إلى جانب التكلفة العالية في استخراج أي مصدر للطاقة بديل للبترول.

وإذا كانت كل هذه الخيرات التي تحدثنا عنها في بلاد المسلمين، ومع ذلك نرى حالة التمزق والتفكك والتجزئة التي يصنعها أعداء الأمة. فما هو الحل؟ وهل هناك من بديل؟ إن ما نشاهده اليوم من تمزق فى عرى الوحدة الاقتصادية الإسلامية، وتشتت وتبعثر في الإمكانات الاقتصادية هو تعبير عن حالة الانقسام الفكري والتخلف الثقافي والتغرب عن العقيدة الإسـلامية، وهو ما أراده الاستكبار العالمي.

ولا يمكن أن تقف الدول الإسلامية موقف المتفرج مكتوفة الأيدي دون أدنى اهتمام أو مبالاة لما يدور ويحدث على الساحة الدولية من تكتلات ومحاور اقتصادية، ولماذا لا نحذو حذوهم في التنسيق وتعبئة الموارد والإمكانات بصورة موحدة ومتكاملة في محاولة من أجل تعبئة الموارد والخيرات وتوظيفها في اتجاه تعزيز الوحدة والتكامل الاقتصادي.

إن النظام العالمي البديل الذي ندعو إليه هو حشد كل هذه الإمكانات التي يتمتع بها العالم الإسلامي، وذلك في شكل أمة واحدة تضطلع برسالتها السامية، ولا شك في أن هذه الإمكانات من الممكن أن تخلق أمة عظمى قادرة على التصدي لأعدائها، وبعث نظام عالمي يقوم على التكافل وليس الاستغلال، وعلى الرغم من وجود قوى كبرى أخرى في العالم يمكنها من خلال اقتصادها أن تنافس على قمة العالم إلا أن هذه القوى لا تملك ما تملكه الدول الإسلامية.

فالدول الإسلامية تملك منهجاً واضحًا ومحددًا وهو القرآن، هذا المنهج القائم على العدل والمساواة وعدم الاستغلال هو الذى يضمن الاستمرار؛ لأن أي منهج اقتصادي يقوم على الاستغلال سوف تكون نهايته إلى الزوال، ولذلك فالمنهج الإسلامي بكل ما فيه من مبادئ سامية، والدول التي تنتهجه بكل ما فيها من خيرات ونعم هى المهيأة لقيادة النظام العالمي إذا أحسنت التصرف.

ولذلك، ولأن قوى الاستكبار في النظام العالمي تعلم قوة هذا الدين، فهي تعتبره العقبة الأساسية أمام مصالحها وأطماعها، وذلك بسبب ما يبديه من مقاومة متزايدة لهذه الطموحات الاستغلالية. وبسبب ما يختزنه مما هو معروف عنه من قوة إصلاح وتقويم وتأليف وتوحيد وتعبئة بالمثل العليا والجهاد والاستشهاد من أجل تحقيق أهدافه، لا سيما في زمن استسلم فيه للنفوذ الغربي الجميع تقريباً، وظهرت علامات الشيخوخة والعجز والضعف على الأيديولوجيات العلمانية والقومية والشيوعية. في المقابل الذى ظهر فيه الإسلام فتيًا في تمام حيويته وقدرته الهائلة على التفاعل مع الواقع في مختلف تعقداته.

كان ظهور الإسلام ترحيب وعمل من أجل النظام العالمي العادل لا تكون فيه القوة أداة الحسم فيما يكون في هذا العالم من خلافات، ظهر لكي ينشر قيم العدل والحق والحوار والمساواة. هذه القيم التي بدونها لن يكون هناك عالم مستقر أو مزدهر، فلا ازدهار ولا استقرار على غير أساس الحق والعدل والمساواة.

دور العرب

وإذا كان هذا هو الدور الذي يجب أن يقوم به العالم الإسلامي، وهو المنوط به خلق النظام العالمي البديل، فإن الدور الأكبر يقع على عاتق العرب؛ لأن العرب هم المكون الأساسي والأكبر في الأمة الإسلامية، وعلى العرب القيام بدورهم التاريخي لأنه لن تقوم للأمة الإسلامية قائمة بدون وحدة العرب، وإذا لم يكن للعرب دور في صنع البـديل فلن تقوم لهم قائمة، وسيظلون على ما هم عليه الآن.

إن اللسان العربي هو اللسان الذي أنزل به الله تبارك وتعالى القرآن، ولما كان الأمر كذلك فإن العربية هي أداة التعبير عن ثقافة كل مسلم، بغض النظر عن عرقه أو لونه أو الموطن الذي ولد فيه.
إن من يتصور أن إتباع قيم الآخرين ومنهاج حياتهم هو الوقاية من بطش هذا الآخر لهو واهم، والتدافع بين الأمم حتمية لا ريب فيها. يقول الله عز وجل: “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{40} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ{41}” (الحج).

ولذلك، فعلى العرب أن يدركوا حجم المسئولية المنوطة بهم، وها هي الآية القرآنية تحدد لنا ما علينا فعله في حالة تمكين الله لنا وهو ما يرسم لنا معالم النظام العالمي البديل.

معالم الطريق

إن معالم النظام العالمي البديل لابد أن يرتكز على غايات سامية تبدأ بالتعليم ورفع المستوى العلمي للشعوب العربية، مرورًا بالإعلام وتربية الشعوب وتثقيفها على أساس قيمها ومعتقداتها وصولًا إلى العمل، وهو وسيلة إعمار الأرض، وهو يشكل مع التعليم ثنائية لا يجب أن تنفصم، والعمل هو الوسيلة الرئيسية لطلب الرزق والقضاء على الفقر وبناء الحضارة ولا ننسى أن من معالمنا الأساسية أيضاً قيمة (العدل) وهو نظام كل شيء وبدونه يكون الظلم الذي هو مؤذن بخراب العمران، على حد تعبير العلامة عبد الرحمن بن خلدون.

ومعيار العدل هو تطبيق شرع الله ومنهاجه في كل شئون الحياة، وهناك قيمة أخرى مهمة وتمثل ركنًا أساسيًا وهي (الشورى)، وهي أيضًا من معالم النظام العالمي البديل، وهي قيمة عليا وفريضة جعلها الله تعالى في مرتبة عالية، وهي الأسلوب الصحيح لاتخاذ القرار، وهي جزء من منهاج الحياة.

لبنات النظام العالمي البديل

وإذا كنا نطرح نظامًا عالميًا بديلًا يقوم على وحدة الأمة الإسلامية وعلى منهج القرآن وتعاليمه، وإذا كنا نرى أن أساس هذه الوحدة لن يكون صلبًا إلا إذا حدثت وحدة عربية لأن العرب هم المؤهلون لحمل هذه المهمة. إذا كنا كذلك فإن هذا النظام العالمي البديل لبنته الأساسية هي محاولة إيجاد مجموعة من التكتلات العربية ذات المصلحة المشتركة لكي تتحد في صورة ثلاث أو أربع دول مع بعضها تمهيدًا للوحدة العربية على مستوى جميع الأقطار العربية.

ولنا كعرب عدة تجارب فى ذلك، ولكنها للآسف حتى الآن لم تكن بالفاعلية المرجوة والآمال المعقودة عليها، مثل مجلس التعاون الخليجي، ومجلس التعاون العربي الذي انهار عقب الاجتياح العراقي للكويت، واتحاد المغرب العربي، وجميعها لم تتقدم خطوة في مجال الوحدة العربية. ولذلك علينا النظر بشكل مختلف في أمور هذه الكيانات، ولابد أن ننظر إليها عند تأسيسها على أنها لابد أن تكون كيانات لتقرير أمر لابد منه، وعلى أساس تقريب المصالح المشتركة.

المثلث الذهبي للعرب أساس النظام العالمي البديل

وفي هذا الميدان، فإن الوحدة بين مصر وليبيا والسودان سوف تكون هي الأقرب لهذا الواقع، فهذا المثلث الرهيب لو اكتملت له عناصر الوحدة فسوف يكون فاتحة خير على بقية الوطن العربي، فالسـودان هو سلة غذاء الوطن العربي، وهو يملك من الأراضي الزراعية الصالحة ما إن لو زرع لاكتفى العالم العربي. بل زاد عن الحاجة وتم تصديره إلى الخارج، ثم هناك مصر بالأيدي العاملة الزراعية والعقول الفنية والتكنولوجية والخبرة الطويلة. وهناك ليبيا بما تملكه من إمكانات مادية وطموح إلى تحقيق الوحدة العربية.

هذا هو المثلث؛ أراض زراعية، أيد عاملة وعقول فنية وخبرات، دعم وتمويل. فإذا ما اجتمع هذا المثلث فإنه سيحقق عدة نجاحات، ليس على مستوى التعاون الاقتصادي وإنتاج الغذاء للوطن العربي بأكمله فحسب، ولكن على المستوى السياسي أيضًا، فإن وحدة هذا المثلث سوف تكون النواة لوحدة الأقطار العربية، وحينما تتحقق الوحدة العربية فإن المسلمين يكونون قد قطعوا شوطًا كبيرًا على طريق الوحدة الإسلامية التى هي النظام العالمي البديل للعالم الإسلامي.

مصادر البحث:

· القرآن الكريم.
· الإسلام دين وحضارة، عادل حسين.
· النهب الإمبريالي للعالم الإسلامي، السيد/ ضياء الموسوى.
· المؤامرة الكبرى، د. مصطفى محمود.
· ثقافتنا في إطار النظام العالمي الجديد، د. فوزى محمد طايل.
· السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، كمال الهلباوي.
· الإرهاب، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر.
· دورة الحضارة، أحمد حسين.
· النظام العالمي الجديد، (مقال) د. عبد الوهاب المسيري.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق