سياسة وتاريخ

نحن وتاريخ المنطقة العربية، القصة الكاملة

من المذهل أن نتعامل مع تاريخ المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، وما يحتويه هذا التاريخ من القدم والتنوع، والأصالة والعمق بهذا الاستخفاف والسطحية كأنه ملك لنا فقط وليس ملك الإنسانية جمعاء، والتاريخ علم له قواعد وأصول ومن أولي قواعده أن ما حدث حدث وما مر أصبح كان ولا يمكن العبث فيه أو التغيير من حوادثه، مهما كانت النوايا طيبة.

الدين الإسلامي دين يخاطب العقل والقلب، النبي صلوات الله عليه وسلامه يقول أنتم اعلم بأمور دنياكم، والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال استفتي قلبك والفقه فيه ما يقول فيما معناه أينما توجد مصلحة المسلمين استعن بالله توكل عليه، النبي لم يقل صراحة الخلافة من بعدي لأبي بكر رضي الله عنه، وإنما حدث خلاف، فهناك الأنصار علي وشك مبايعة سعد بن عبادة، وهناك علي والزبير والعباس رضوان الله عليهم يروا أن لهم حق في الخلافة، وأبي سفيان يري أبناء عبد مناف الأحق، هاشم وعبد شمس علي ومعاوية، وقال صراحة أي سفيان مساندًا لعلي وأن شئت لأملأن الأرض خيلًا ورجالًا ،هكذا قال أبي سفيان لعلي أمام المتقين ويصل به الغضب لأن ينادي أين الأذلان علي والعباس، انظر لكل هذا الخلاف، ولكن علي يرفض عرض أبي سفيان، والأنصار ها هم في السقيفة يبايعون الصديق، وترحل فاطمة الرسول الي ربها، ويبايع علي الصديق. درس تاريخي أن الخلاف وارد ولكن مصلحة المسلمين تبقي هي الهدف المنشود.

بين الحين والآخر نري أزمة نيرانها تشتعل في أنحاء العالم رسوم مسيئة تسخر من نبي جاء رحمة للناس، البعض يقول حرية تعبير، والبعض يغضب، والأخر للأسف بعبر عن غضبه بجرائم قتل وذبح، والكل له مرجعية ليبرالية أو من التراث سواء تفسير أو سيرة أو أحاديث أو وقائع تاريخية، والقاتل علي وجه الخصوص، ومن يظن أنه يذبح باسم الله، ينسي أو يتناسى أن الرسم الكاريكاتيري قد يتحول إلى رسوم هنا وهناك، وأن هناك مسلمين وعرب قد يتحملوا نتيجة فعله العصبي الغير مدروس.

وهنا يحاول البعض أن يحتكر التاريخ لأن الإرهابي يعود إلى تفاسير، وأحاديث ووقائع من التاريخ أيضًا، نعم دعونا نؤكد أن القاتل لم يعمل عقله في النص، ولم يحاول أن يفهم الظرف التاريخي، ولكن لن يكون الرد بالمقابل إعمال خيالنا في النص، مثال على ذلك ما ذكر في كتب السيرة من اغتيال كعب بن الأشرف الذي كان يهجو النبي في شعره، ويتطاول علي نساء المسلمين، إذا كان القاتل عاد إلى هذا النص دون فهم وإدراك للظروف التاريخية. ليس معني هذا في المقابل أن ننفي النص كليََا، لتجميل وجه الإسلام في الخارج، ومثال آخر قرأت في كتاب عن الخلافة أن حمزة عم رسول الله هو السبب الرئيسي في غزوة بدر، ناسين ومتناسين أن أطيعوا الله والرسول، والنبي الكريم وقبل الدعوة حارب مع قومه في حرب الفجار قبل الوحي بل وقبل زواجه من أم المؤمنين خديجة رضوان الله عليها.
نقول أن الإسلام فيه الحرب والصلح والعفو لأننا كمسلمين نؤمن أنه آخر الأديان، نقول أن العالم القديم له شكل ولون، الإسلام في مصر والشام، وقبله الاسكندر المقدوني وقمبيز في مصر، والإمبراطوريات تتوسع وتتمدد في أنحاء الأرض، ولكن زمن قواعد ولكل مرحلة تاريخية ما يجعلها مختلفة عن مرحلة أخري.

التاريخ وعاء الخبرات الإنسانية، التاريخ لنتعلم، ونتقي أخطاء الماضي، لا يمكن تعديله أو تغييره، تختلف الروايات والمصادر وفي حاجه لأعمال عقل في النص لا خيال وأماني في ما مر وفات، ولا تنسي أنه وسيلة ترفيه مثل الفيلم والمسرح والأغنية.

اعلم أن التراث العربي ليس ملك العرب وحدهم بل هناك ترجمات الطبري وابن خلدون وابن إياس، بالفرنسية والإنجليزية، وهنا لابد أن أقول عن تجربة شخصية، أني واحد من هؤلاء لا أملك ذاكرة حديدية مع الورق المطبوع، سريع النسيان، ولذلك اقرأ للبهجة، ووجدت مثًلا في كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور، وهو الكتاب الذي اقرأ فيه حاليًا، أن النص ممتع وجذاب جدًا، وصالح ليس فقط للمؤرخ المتخصص، وإنما لمن يبحث عن ترفيه من خلال رحلة في زمن مضي، وأن اختلف معه العلماء أو بعض العلماء في معلومة أو حدث، يظل للقارئ العادي الكتاب خير جليس، ولا يقل بهجة عن فيلم سينمائي أو عمل فني علي خشبة المسرح.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى