مدونات

نحن.. بين الطاعة والمعصية

تمثل ثنائية الطاعة والمعصية عند الإنسان إحدى أهم المفارقات المطروحة على العقل البشري، خصوصا عند ربط الموضوع بين الأخلاق ومسألة التدين والإيمان خصوصا أن القَصَصَ الديني يدور أساسا حول هذه المفارقة التي أسست للعديد من التيارات الفلسفية والفكرية لتناقشها إما باستخدام الأحكام الدينية المطلقة أو بمنظومة المثل والأخلاق.

المعصية والأديان

المعصية في ذاكرتنا الاجتماعية والدينية وحتي العائلية الضيقة كلمة في غاية الخطورة على بساطتها اللغوية وعدم قابليتها للتأويل. فعصى بمعنى خالف الأمر أو امتنع عن القيام به لكن هذه الكلمة تحمل مرجعية دينية أكستها صبغة كبائرية ففي الموروث والقَصص في الأديان الأكثر انتشارا في العالم ونقصد هنا الأديان الإبراهيمية تمثل أول معصية في التاريخ البشري قادحا لبناء الحضارة الإنسانية وحتى لوجود الإنسان على هذه الأرض لما عصى آدم ربه وأكل من الشجرة المحرمة فأخرجه الله من الجنة. أما قصة خلق الإنسان نفسها كانت متداخلة مع قصة معصية إبليس لخالقه لما رفض السجود لآدم ليتحول من مفضل الإله إلى الشر الأكبر.

معصية إبليس

يعلموننا منذ الصغر أن معصية إبليس وعقاب الله له كان نتيجة كبره وغروره ورفضه لأوامر الله لكن لو حاولنا النظر لإبليس هذا الآخر الميتافيزيقي من منظور آخر قد نرى عين الإيمان فيه فهو إن كان من الملائكة أو من الجان إن كان يشع نارا او نورا فهو في نهاية الأمر رفض السجود لغير الله كل المراجع الدينية توضح أن العلاقة بين إبليس والإله كانت علاقة إستثنائية وعميقة وهي بدورها خلقت هذه المعصية وخلقت الشيطان الذي لم يسمى في القرآن بهذا الاسم إلا بعد أن أطرده الله من رحمته. فالحب والتقديس قد يكونان وصفة للمعصية فحتى في الحضارة الإنسانية، يقدس البشر مفاهيما ويتعصبون لها حتى يجدوا أنفسهم خارج مبادئها.

آدم على خطى إبليس

كان آدم ثاني مخلوقات الله الذين عصوا خالقهم رغم أنه نفخ فيه من الإيمان ومن روحه. وسار على خطاه الجميع من أول ذريته قابيل الى الإنسان المعاصر. آدم كان أول البشر ومن طبائع الانسان أن يقدم على الصواب والخطأ حتى يتعلم ويدرك ماهية أعماله رغم أنه ليس من السوي أن نقارن آدم بذريته فآدم ولد من الرحيم وكانت له علاقة مباشرة مع خالقة ليعلمه لكن هذا يرسخ كون الإنسان خلق ليكون عاص. هذه الصراعات والحروب بين المعصية والطاعة هي صراعات مشروعة فقد خلقنا لإحتوائها فلو كان الإنسان قادرا على التعلم من أخطاءه وزلاته كما يروج لكان إستقام حال ذرية آدم وصلحت الحياة على الأرض لكن القصص القرآني والإسرائيليات والحكايات الإنجيلية كانت موجهة لا للتأريخ أو التحليل بل هدفها الأساسي الموعظة وخلق نظم أخلاقية واضحة المعالم يزيد الصخب حولها مع سير ركب التاريخ فالتاريخ والأخلاق والمؤسسات القيمية وحتى الإنسان وكل هذه الرمزيات أشياء متغيرة ناهيك عن كونها نسبية.

الفرق بين آدم وإبليس

حتى لو اشترك إبليس وآدم في حبهما لله فهما لا يحملان نفس الصورة فآدم هو المستخلف على الأرض هو رمز الخير والطهرانية المطلقة طبعا دون الكمال أما إبليس فهو رمز للشر المطلق. وهذا الشر ممتد ليشمل الإنسان ذاته. فالشر في الإنسان اصله شيطاني بتعلة أن الشيطان أقسم على إغواء بني البشر ليوم الدين. لكن في الواقع نحن نسْبح في فلك من النسبية فالتداخل بين الإنسان والشيطان كان حسيا أو وجدانيا هو تداخل مشروع إن إعتبرنا كون المعصية من أصل شيطاني وتمثل الخطأ والشر. ولكن إن ابتعدنا عن الراحة التي توفرها الماورائيات فالمعصية طبيعة بشرية تطورت معانيها مع تطور المجتمعات وتطويرها لسبل العيش وصارت مسألة بشرية بحتة أبعدها الإنسان عن أصلها الديني ليستغلها سياسيا ويطوعها في خدمة مصالحه ليصبح منا من يشرع لها في حالة العصيان والتمرد عن الجور والظلم ومن يجرمها في حال كون المعصية مرتكبة في شأن من لا تجوز معصيته إن كان ولي أمر أو إنسانا يحمل هالة قدسية أو حتى إن كان الإله ذاته وتبقى صور.

شطحة صوفية في قصة الخلق

يقول محيي الدين بن عربي في إحدى قصائده ومطلعها فلله قوم فالفراديس:

فيا طاعتي لو كنتِ كنتُ مقرباً ومعصيتي لولاكِ ماكنتُ مجتبى

القصيدة تحاكي خلق الله لآدم حتى يتكلم ابن عربي على لسان آدم ويقول البيت المذكور بما معناه أنْ لو كانت الطاعة من آدم للله لعاش مقربا منه في الأجواء والسماء وفي نفس الوقت، لولا معصيته لما اجتباه (اختاره واصطفاه) الله وفضله عن بقية الخلق فعندما أنزل الله عبده لفراديس الأرض لم يكن هذا من سبيل العقاب بل كان تكريم له وتحميلا له لمسؤولية القيام بمهمة الاستخلاف. هذا البيت الشعري من أهم التعبيرات التي توضح مدى عظمة هذه المفارقة التي تتبعنا على مر العصور فالإنسان المعاصر حتى في حياته اليومية يروم الطاعة في كل أعماله لينال الرضا عنها ويتقرب من المطاع وهو يروم المعصية حتى يتفرد عن غيره ويحقق ذاتيته وإنسانيته التي تفرض عليه الاختلاف.

استغلال المعصية والطاعة

من خلال تحليلنا للمفاهيم الإنسانية ونقاشها بأكثر من منظور من الحتمية أن تتباين الأفكار والآراء أن يتفرد كل تيار فكري أو ديني أو سياسي بطرحه الخاص. فالإنسان وماهيته التي لا تزال مجهولة ومختلفا عليها، عادة ما يتعارض مع المنطق لكثرة هذه المفارقات والتداخلات القيمية فيه وعادة إن اختلف القوم حول الأفكار خصوصا في الدول التي لا توجد فيها مَأْسَسَةٌ فكرية وسياسية ما تستغل هذه المسائل إما لإثارة النعرات العرقية والطائفية عبر خلق كيانات وشخوص معنوية أو مادية تمتلك صبغة تصنيفية وتكون الطاعة لها بعيدا عن مفهوما الدولة المدنية.. أو عن مفهوم الدولة أساسا. وإما للسيطرة على الشعوب وتحديد مصائرها فأما أن يثار العصيان كسلوك ثوري راديكالي يدمر كل ما يحيط به ويرفض الإختلاف والتعدد وإما أن تكبل الطاعة الشعوب بإستخدام الخوف والقمع او بإكساء الأنظمة صبغا قدسية طهرانية حتى تصير موجبة للطاعة.

يبقى السؤال هنا ذاتيا يتعلق بالإنسان كفرد هل يرى في داخله الطاعة، فرضا كانت أو حبا أم يرى في داخله المعصية سواء كانت من أصل آدم أو أصل إبليس. كما يبقى السؤال متعلقا بالمرحلة وبالقراءة الدقيقة للوضع السياسي والاجتماعي إن كنا نناقش قضايا الشعوب. ويبقى دائما السؤال المعصية أم الطاعة..؟

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق