مدونات

نجوم و شيوخ

من أين بدأ؟

الفكر المتطرف مصدره الأصلي هو الفهم الموجه للدين، الذي دعمته بعض دول الخليج تحت اسم السلفية، من هنا بدأ في العالم العربي دعم هذا الفكر المنغلق على نفسه. هذا الدعم جاء على شكل جمعيات وقنوات خلقت لنفسها نجوما على الشاشة في هيئة شيوخ، وجعلوا لأنفسهم ولمحبيهم ولأتباعهم دينا جديدًا في صورة مشوهة ومستنسخة عن الإسلام، فجعلت من مواضيعها الرئيسية: فخد المرأة وعنقها ورجلها وصدرها وما فوقها وتحتها، فتجد هذا يسأل عن جواز أن ننكح امرأة متوفاة، وذاك عن جواز أن تلبس المرأة ملابس ضيقة أمام زوجها، والبقية تأتي معبرة عن تخلف يثير الضحك والسخرية.

هؤلاء جل همهم هو التمتع بجسد المرأة بأقصى قدر، بانتظار نيل الغلمان والحور العين هناك في الجنة؛ لا أحد منهم يحدثك عن حريتك المسلوبة أو حقوقك المهضومة التي سمعت أن الناس في عهد النبي الكريم وخلفاءه تنعموا بها.

لقد حرّموا الموسيقى ومنعوا التلفاز وقالوا عن عمل الحلاق حرام وعن المصور مشرك بالله، و عن صاحبة الصالون آثمة، والمعلم أجرته حرام لكونه لا يشتغل طيلة اليوم، ونهوا عن العمل في الجندية أو سلك الشرطة، مهنتان فقط تجوزان في عرفهم إما رعي الغنم أو الإبل أو التجارة، فينتهي بهم المطاف متصافين أمام المساجد يبيعون أعواد الأراك والمسك وعصير الزنجبيل؛ مساكين هم شبابنا.
لقد ضيعوا عقول أبناءنا وكل جيلنا، فخلقوا فيهم نفسا متحفزة للارتماء في أحضان أول صاحب فكر متطرف يلقاه، دون القدرة على النقاش والحوار، ودون القدرة على مواجهة الفكرة بالفكرة، فالنية مزيفة والفعل شنيع.

لقد نصحونا بشرب بول البعير عند كل مرض، وهم في أقرب ضربة شمس تراهم و أتباعهم يلهثون وراء أطباء أوروبا شرقا وغربا. نصحونا بأن نلبس لباسا واحدا ونمشي بشكل واحد و نأكل بشكل واحد، كأنما الله لم يكن قادرا على بعثتنا بنفس الشكل والهيئة لو أراد.

ذات يوم أفتى أحد الشيوخ هناك في الأرض المقدسة أن فكرة التقاعد هي نوع من الحرام كون الرجل الخمسيني أو الستيني يأخذ أجرا شهريا وهو لا يعمل مع العلم أن الكثيرين من أبناء المسلمين يقضون سنوات من عمرهم في أعمال مهمشة وبأجور بالكاد تكفي وفي الأخير وفي ضرب لكل القوانين الإنسانية بالفطرة، وفي إهدار تام لكرامتك ولحقك في أن تقضي ما تيسر من عمرك في لملمة جراح ماضيك المتعب، بعد أن تأخذ منك الشيخوخة القاصمة لظهرك مدى بعيدا.

شيوخهم لا يحتاجون للتقاعد فهم يملكون السيارات والفيلات، ومشاريع أبناءهم تبدأ ولا تنتهي، فكيف يتحدث هذا المدعي عن كونه يرفض نيل أجره أثناء تقاعده.

قالوا لنا في يوم من الأيام أن إغاثة الأفغان واجب و جهاد، فذهب أحدهم و رفاقه إلى هناك، فأنتجوا لنا مجموعة نفذت واحدا من الاعتداءات التي غيرت مسار التاريخ في التاسع من شهر نوفمبر سنة 2001، بعد ذلك اعتقلوا من ذهب لأفغانستان أو زارها فتحول من كانوا يسمون بالمجاهدين و بقدرة قادر إلى إرهابيين.
لقد قالوا أن الذهاب إلى سوريا تلبية لفريضة الجهاد فأغرقوا السوريين بالدماء، و أعطوا المزيد من المشروعية لما ارتكبه ويرتكبه بشار في حق أبناء شعبه، وفجأة قالوا أن كل من زار تركيا ومر بسوريا، فهو عاصٍ لخزعبلات ولي الأمر، هم الشيوخ نفسهم من تحدث من قبل، و هم نفسهم من يلزم الصمت الآن.

منظومة الدم

الإرهاب ثلاث أطراف، واحد يحرض و يبني الأفكار، و الثاني يمول أفكار الأول، وثالث يطبق أفكار الأول ويجسد أوهام الثاني.
فأما المحرض و الباني للأفكار فهو الشيخ الثري الذي يدعي العفة في الشاشة، فيفرد أمامك لحيته و تبدأ عيناه في التجوال من هنا لهناك، فمرة يدعي، وتارة يبكي وتارة يضحك، يبتسم حينا ويغضب حينا، ويشجب في أوقات ويشيد في أوقات أخرى، في كل مرة حالة حسب المطلوب، وهو في هذا كله يبني جسرا بينك وبينه، يسمح له بأن يحقنك عن بعد بحقنة، لا ترى الحياة و الناس فيها إلا تحت مظلة الحرام والحلال الوهمية، والتي لا يكون لك فيها من مرجع سواه.
اما الثاني فهو ينفذ سياسة دولته، ويتماشى مع مصب المال ومنبعه، وقد يكون مقتنعا بما يفعله، أو لا يكون سوى بائع سلاح يشتغل بالعمولة، بدعوى نشر الإسلام، أو تاجر تحت غطاء ديبلوماسي تحت راية بلده.
أما الثالث فأبله وأحمق وغبي، ضعيف الشخصية ومعدمها وثقته بنفسه لا وجود لها، رغم ما قد تراه من عكس ذلك، ماضيه مليء بمواقف إنسانية لم يستطع مواجهتها، رغبته في طي جراح الماضي أو إحساسه المهول بشعور عدم الانتماء تجعله يبحث لنفسه عن أي جماعة أو مجموعة، تحقق له اكتفاءًا شعوريًا و نفسيًا ولو بشكل مؤقت، و المجموعة بأسرها تمشي بأقدام ثابتة نحو عملية انتحار جماعي تحت عنوان العمليات الجهادية، عندما تشاهد إحدى قنواتهم، استعمل عقلك قليلا و تخيله هو نفسه مكانك، والله ستجد ردة فعل مختلفة بكثير عن تلك التي تتوهمها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

boufouss omar

كاتب و مدون و محرر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى