سياسة وتاريخ

نتائج الانتخابات الأمريكية: انتصار صغير للديموقراطية والعلم

نتائج الانتخابات الأمريكية: انتصار صغير للديموقراطية والعلم .. منذ استيطانه في أرجاء العالم القديم، مثلت الإنسان الحديث خطرًا داهمًا على جميع الأنواع التي نافسته أو شاركته على موارد الموائل. على سبيل المثال، مع وصول الإنسان إلى أستراليا قبل نحو 45 ألف سنة، اختفى حوالي 90 بالمئة من الحيوانات الضخمة التي عاش بعضها لأكثر من مليون سنة. والأمر نفسه تكرر مع وصول الإنسان إلى القطب الشمالي والأمريكيتين ونيوزلندا.

كما  يشتبه العلماء أن الإنسان العاقل ربما يكون قد ساهم في حدوث إبادة بحق أنواع بشرية أخرى مثل النياندرتال في أوروبا والإنسان المنتصب في إندونيسيا الذي كان يعيش حتى 20 ألف سنة خلت. وحتى اليوم لا زال الإنسان يدفع غالبية الأنواع إلى الإنقراض مع توسع تغلغل الإنسان في مزيد من البيئات بالإضافة إلى التغير المناخي. وقد وجدت دراسة قام بها جيمس آلن من جامعة كوينزلاند الأسترالية أن الكائنات التي تعيش على نحو 84% من مساحة سطح الأرض تتأثر بشكل أو بآخر بالأنشطة البشرية. واليوم أصبحت مغامرة الحياة برمتها مهددة بالزوال، بما فيه وجود الحضارة البشرية. وتفشي الوباء ذكرنا بهشاشة وجودنا على الأرض. الموضوع يحتاج إلى إعادة تفكير بجميع سلوكياتنا تجاه المناخ والبيئة والعلاقات الدولية القائمة على المنفعة القصيرة المدى، وهذا لا يمكن أن يتم في ظل وجود سلطة ذات أيديولوجيا رجعية.

يتفق غالبية المفكرين أن لدينا اليوم خطرين ملحين: انتشار الأسلحة النووية، والتغير المناخي. وإن تعامل الجمهوريين برئاسة دونالد ترامب مع هاتين المسألتين تبعث على القلق بشكل جدي. فقد انسحب الرئيس ترامب من أغلب الالتزامات الدولية التي أبرمتها أمريكا خلال العقود الماضية، بما فيها معاهدة الأسلحة النووية التي أبرمتها مع روسيا خلال الحرب الباردة. وبالنسبة لقضية التغير المناخي فإن آراء الجمهوريين مشينة. فقد أظهرت دراسة في مجلة science أن 20% فقط من الجمهوريين يؤمنون بمصداقية العلم. كما أن غالبيتهم لا يعتقدون أن التغير المناخي يمثل خطرًا حقيقيا. وينعكس هذا الاعتقاد على البرنامج الانتخابي لدونالد ترامب الذي تعهد بأن يوسع استخدام مصادر الطاقة غير المتجددة (الوقود الأحفوري) التي تزيد من تلوث المناخ. بالإضافة إلى تعهده بالإنسحاب من اتفاقية باريس بشأن المناخ. وفي المقابل، تعهد كان الرئيس المنتخب جوزيف بايدن قد تعهد بالعودة إلى اتفاقية باريس، وهو يسعى إلى أن تصل الولايات المتحدة إلى الدرجة صفر في انبعاثات (الغازات الدفيئة). ويقترح منع إعطاء إجازات جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في الأراضي العامة، فضلًا عن استثمار ترليوني دولار في مجال الطاقة الخضراء.

ومع المسرد السابق، فإن الانتخابات الأخيرة -نتائج الانتخابات الأمريكية-  ليست تقليدية في كثير من جوانبها، فهي ليست منافسة بين مرشحين عاديين، بل هي حول الإيمان بالعلم والديموقراطية وإنهاء الكذب المرضي والتهرب من المسؤولية التي ميزت البيت الأبيض خلال السنوات الأربع الأخيرة. هذه كانت الدوافع وراء تحقيق الإقبال غير المسبوق على هذه الانتخابات، وكانت نتيجتها أن رفض غالبية الأمريكيين العنصرية وكراهية الأجانب ورعاية المصالح الخاصة والتعصب الديني ودعم الاستبداد ورهاب المثليين. إلا أن الجانب السلبي كان حصول ترامب على نسبة غير قليلة من الأصوات، وهذا يعطي انطباعًا عن مدى القبول الذي تلاقيه “الترامبية” في أمريكا، إضافة إلى حصول الجمهوريين على غالبية المقاعد في مجلس الشيوخ. ورغم هذا تبقى الاستثمارات في الطاقة المتجددة في مواجهة التغير المناخي وبرنامج الرعاية الصحية سياسات جيدة. أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة فوكس نيوز أن 72% من الناخبين يؤيدون خطة رعاية صحية تديرها الحكومة، كما أيد 70% منهم يؤيدون زيادة الإنفاق على مصادر الطاقة الخضراء.

نتائج الانتخابات الأمريكية .. لقد كان لافتًا أن مجلة Scientific American قد كسرت عرفا دام 175 سنة منذ انطلاقها، لم تعلن خلالها دعمها لأي مرشح رئاسي، ولكنها قررت تأييد جو بايدن ضد الرئيس ترامب الذي وصفته بأنه “أضر بشدة بالولايات المتحدة وشعبها بشدة، لأنه يرفض الأدلة والعلم”. وحثت المجلة الناس على التصويت لصالح جو بايدن، الذي “يقدم خططًا قائمة على الحقائق لحماية صحتنا واقتصادنا وبيئتنا”. وأن هذه المقترحات وغيرها من الاقتراحات التي طرحها بايدن يمكن أن تعيد البلاد إلى مسارها نحو مستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا وإنصافًا. ومع اصطفاف العلماء والملونين والأقليات والبيئيون خلف جوزيف بايدن، فإن انتصار هذا الأخير يمثل انتصارًا صغيرًا للديموقراطية والعلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى