ثقافة و فنون

نبوءة أورويل وديكتاتوريات التاريخ

الأدب حقل واسع ورحب للكثير من المفكرين والفلاسفة، فمع الأدب يمكن إستدعاء الماضي، إستلهام الحاضر، وإستشراف المستقبل، وكثير ماظهرت وبرزت نظريات إجتماعية وسياسية معتمدة بالأساس على صفحات ونصوص أدبية، ولكتاب يتمتعون بوجاهة فلسفية ناظروا خلالها التاريخ والواقع والمستقبل، وكثير منهم قد حررت كتاباتهم المستقبل، من سطوة الحاضر بإذدراءه الدائم للماضي، وكذلك وبالضرورة حررت تلك الكتابات حاضرا متلبس بماض يؤكد هيمنة هذا الإذدراء على طول مساره.

يتعين علينا الوقوف موقف تأمل وفحص لبعض من تلك النصوص الأدبية، وأقترح مثالا، رواية “1984”، للإنجليزي “جورج أورويل”، المنشورة سنة١٩٤٩م، والتي تحكي حال مدينة لندن، إحدى أكبر مقاطعات جمهورية “أوقيانا” جمهورية الأخ الكبير، البلد الذي فى حالة حرب مستمرة إما مع أوراسيا، أو إستاسيا، يرى أورويل، أن العالم في زمن الرواية “المستقبل”، قد تمخض عنه ثلاث تكتلات كبرى متناحرة، يكون إثنتين منها في حالة الحرب والثالثة في وضعية السلام، على أن تكون جمهورية الأخ الكبير، أوقيانا، طرف أصيل في كل نزاع وكل سلام.

فكرة عند تخيلها قد نظنها عبثية، إما لعدم تحققها في الواقع، أو لأنها تفقد جديتها كلما بات المستقبل حاضر والحاضر ماضي، إلا أنها قائمة برمزية عبثيتها نفسها، مع إختلافات تتباين من جوهر أي نظام شمولي قائم، إلى ملمح أي نظام شمولي آخر ناشيء، إختلافات بسيطة وطفيفة تتماثل في المسميات والشعارات والإصطلاحات، حول قيمة الحليف، ونمطية الوعود، وحجم العدو، ومحاور عدائه، وإهتمامات البناء والتنمية، والمصالح والقدرات التعبوية، وقبل كل شئ ضمانة البقاء لأطول الفترات، ومع ذلك كله تبقى حقيقة واحدة مستترة، هي أن الشعب هو العدو الأصيل لكل ديكتاتور، فكل نظام مستبد نجده نوع ما محافظا على حالة من الإستنفار القصوى، تتيح له تلك الحالة إنتاج عدائه وتوجيهه للمستقصيين من صداقته، لتكون حربهم هالة الضباب المقنن لطمس معالم الإدارة وطرق تصريف شئون البلاد، وفزاعة الخوف لمجابهة أحيانا كثيرة تقلبات إجتماعية تنذر بثائرة الغضبة عليه.

وهذا كله قريب لما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي”ميشال أنفراي”، عندما حدد سبع محاور أساسية ومنطقية، تشكل بدورها ماهية الديكتاتورية في القرن العشرين، وعن كيفية عملها، وطرق إشتغالها، فجائت كما يلي من ، تدمير للحرية، إفقار لللغة، محو للحقيقة، حذف للتاريخ، إنكار للطبيعة، نشر للكراهية، وأخيرا طموح إلى الإمبراطورية.

وأنفراي، في تحليله لنظريته “ديكتاتوريات القرن العشرين” الصادرة بالعام الحالي ٢٠١٩م، قد إنطلق بدايتا  من تحليل روايتي الإنجليزي جورج أورويل “1984” سابقة الذكر، ورواية “مزرعة الحيوانات”، نشرت سنة ١٩٤٥م، والأخيرة التي تحكي عن فشل إحتجاجات الحيوانات على إستبداد حكامهم من الخنازير، والذين هم بدورهم لم يصلوا للحكم إلا بعد ثورة قادوها على السيد”جونز”، سيد المزرعة السابق عديم الرحمة المستبد بحيواناته، ومن مستبد لآخر وجدت الخنازير قوة ردع تلك الإحتجاجات، في التحذير من عودة السيد جونز مرة أخرى، والرهان على خوف الحيوانات من ظلم عايشوه عن ظلمات لم يقارعوها بعد.

يقال أن أورويل، قصد بالإشارة الضمنية  في روايته “مزرعة الحيوانات”، إلى الثورة الروسية، والتي نادت بالحرية والمساواة، وإنتهت بالقمع والإعتقالات، إلا أن أفكار أورويل، في روايتيه”1984” و “مزرعة الحيوانات”، نابعة من وجهة نظر إشتراكية تحررية، وبتحليل أونفراي، فأورويل من القلائل الذين إستطاعوا إبراز إشتراكيتهم التحررية في كتاباتهم، وإستطاعوا بطرقهم نبذ الأفكار السلطوية لمعظم الإشتراكيين، فهو من التحررين الذين تبنوا الفكر اليساري الهيجلي اللا سلطوي، ومن القلة الذين واربوا الباب تجاه مشروع “كارل ماركس”، ومن من عارضوا بشدة أفكار ماركس حول “ديكتاتورية البروليتاريا” .

ولأورويل رؤية تقترب من رؤية الكاتب و الفيلسوف الفرنسي” ألبير كامو”، في روايته الحائزة نوبل١٩٥٧م، “الطاعون”، صدرت سنة ١٩٤٧م، تسائل كامو خلالها عن ماهية الأقدار، وعن الوضع الإنساني، من منطلق فكرته التي تناقش كل أطياف المجتمع،  من مسؤول ومدان وطاعون يضرب طوائف المجتمع ككل، تكشف رؤيته أن أحوال المجتمعات في الماضي يمكن أن تستمر للحاضر كواقع يمضي إلى المستقبل، رسالة تتقاطع مع رسالة أورويل تحملان التحذير والتنبيه.

في “1984” نجد أرويل في مسعى جدي، يحاول تحرير المستقبل فيما يمثل زمن الرواية وما بعده، من آثام الماضي وذنوب الحاضر، ماضيه وحاضره، عبر سرد النمط الذي يظنه سيستمر زمنيا كنبوءة مستترة من خلف التحذير بها، فيحدد أوصاف دقيقة لجمهوريات الخوف التي عايشها، ويصدر تلك الأوصاف لتحدد أنماط الخوف في جمهورية نبوءته، وبشكل يميل للسخرية يصف الحكم فيها بمسميات غريبة عن واقعية أحوالها، فيسمي وزارة الحب ويصفها كمصدر للرعب والخوف، لتكون معنية بتطبيق القانون والنظام، من خلال فرع “شرطة الفكر”، وفرض رقابة صارمة على الفكر وإستباحة كاملة للحريات، ووزارة السلام، المعنية بشئون الحرب والتي تحافظ دوما على حالة من اللا حرب واللا سلام ، لضمان إنعدام الإستقرار داخليا مع شعبها وخارجيا مع جارتيها، ووزارة الوفرة، التي من شأنها توفير منتجات محدودة أساسية قريبة للشح وتحمل بدج”منتج النصر”، وأخيرا وزارة الحقيقة التي تبرع في نشر الكراهية، وتلفيق الأخبار والتهم، وإنتاج لغة جديدة وطمس المتعارف عليها، وتلفيق التاريخ والأمجاد.

نلاحظ أن أورويل شديد الإمعان والتقيد بأفكاره، بتأكيده على حالة الهراء التي تسيطر على جمهورية الأخ الكبير، والرعونة التي تسيطر على كل نظام مستبد بالتعامل مع قضاياه، فنجده يلصق شعارات حزبية مضحكة للحزب الحاكم في جمهورية نبوءته، كالحريه التي هي عبودية، والحرب التي تعني السلام،والجهل الذي يمثل القوة، قصد أورويل بالعمق الذي تتكشف معه حقيقة وطبيعة الأمور، أن يصدر حوار يعاصر مستقبل الحدة التصريحية عند إطلاق شعارات تحمل وجوه مغايرة لطبيعتها، كأنه حوار سيدور في خلد القارئ بعد أعوام كثيرة من الآن وخاصة للقابع تحت سلطة ديكتاتور مستبد .

الأفكار التي تلائم واقعيتها، هي مأخذ مهم بالتأكيد  لتسليط الضوء عليها، بينما إن كانت تتأتى من ماض بعيد لتؤكد وقعها هي بالضرورة أفكار ستكون محل الدرس والفحص، العبرة في إنتفاء الأسباب التي تجعلنا نؤمن بالأكاذيب مجددا، ومع ذالك هو نمط قائم يعطي الخصوصية لأفكار المتحدثين به، نعلم أن الحزب النازي إخترق وقع الهزيمة النفسية في الحرب العالمية الأولى من ٢٨ يوليو١٩١٤م إلى أن إنتهت في ١١نوفمبر١٩١٨م، عبر تأجيج الرأي العام الألماني، بشعارات الثأر وخطابات الكراهية، إلى أن تمكن من مقدرات البلاد ووجهها نحو حرب عالمية ثانية، كذلك في فرنسا عندما سعى “شارل ديجول” لإستمالة الشيوعيين ليتمكن من السيطرة على الحكم، عبر سعيه لإرضائهم فيما بعد الحرب العالمية الثانية من ١سبتمبر ١٩٣٩م إلى ٢سبتمبر ١٩٤٥م ، عبر قمع مثقفين وفنانين وكتاب وحرفيين وقضاة، ليتمكن من البقاء حاكما حتى ١٩٦٩م متقاسما السلطة مع الشيوعيين، كذلك ما شهدته إيطاليا الفاشية، وروسيا السوفياتيه، والصين الشيوعية، والحكم العنصري في كل من أميركا وجنوب إفريقيا، وتمظهرات مختلفة لدكتاتوريات عربية مازال لها وجود.

إن إنتقال الصيغة الشمولية في كل ديكتاتورية، أمر بالغ الشيوع تتقدمها شعارات  الوطنية والقومية، فيبدوا لنا أن الحالة التي يتنبأ بها أورويل ستستمر إلى أبعد من ذلك، وعبر أشكال متقاربة تتحرك بطرق مختلفة، لكنها وفي الأخير أنظمة إستبداد ذات نمطية موحدة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق