ثقافة وفنون

“ميدوسا”.. أيقونة الثورة النسائية

فُتن المجتمع العالمي بالخيال الإغريقي القديم، وبقصص وحكايات الآلهة والجبابرة والعمالقة، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الوحوش الأسطورية والتي لاقت رواجاً كبيراً عند الملايين من الناس، وعلى عكس شخصيات أخرى من الأساطير اليونانية. ومعظمنا يعرف “ميدوسا” حتى لو لم نستطع أن نتذكر تفاصيل أسطورتها، فيكفي أن نعرف أنه من بين المئات من أساطير اليونانيين في زمن الحضارة الغربية القديمة، لا توجد شخصية نسائية حظت بشعبية جارفة مثل “ميدوسا”، الوحش الذي يمكن أن يحول أي شخص إلى حجر بنظرة واحدة.

وعلى جدران “جاليري أوفيزي” العتيق في فلورنسا، تصور لوحة من تصميم “كارافاجيو” (Caravaggio) مخلوقاً أنثوياً مع ضفائر كثيرة على شكل ثعابين بأسنان بارزة ورأس مقطوع يتدفق منه الدماء، تجلس “ميدوسا” مع خصلات شعرها المليئة بالثعابين محاطة بحلقة مفاتيح يونانية، كانت الصورة مهيبة ومروعة إلى حد أن الشاعر “غاسباري مورتولا” في القرن السادس عشر كتب عنها ذات مرة قائلاً: “اهرب، لأنه إذا كانت عيناك مرعوبتين من منظرها، فسوف تحولك إلى حجر”.

لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هي الجريمة التي ارتكبتها “ميدوسا”، هل ادعت أنها أجمل من “أثينا” إلهة الحكمة والحرب؟ أم ادعت أن شعرها أجمل من “أثينا”؟ لكن أول من اكتشف أصل قصتها بشكل صحيح في الأدب كان الشاعر الروماني “أوفيد”، الذي شرح تفصيلات تحولها.

فوفقًا “لأوفيد” كانت “ميدوسا” في يوم من الأيام فتاة صغيرة جميلة، وهي فتاة وحيدة على ثلاثة أخوات الملقبات بالغُرغونة (Gorgons)، كانت تتمتع بجمال ساحر أخاذ ومعروفة بـ”نقاوتها”، الأمر الذي جعل كل رجل يشتهيها.

هذا الجمال الذي كانت تتميز به “ميدوسا” وقع في عين “بوسيدون” وهو إله البحر عند الإغريق، والذي قام باغتصابها في المعبد المقدس لـ “أثينا”، وبعد أن اكتشفت “أثينا” أن “ميدوسا” أُرغمت على ممارسة الجنس مع إله البحر “بوسيدون” في معبدها المقدس، غضبت لتدنيس معبدها فقررت تحويل هذه الأنثى الجميلة إلى مخلوقٍ بشع، فقد حولت شعرها الكثيف إلى ثعابين ملتوية، وأصبح جلدها أخضر اللون وعيناها ثاقبتين لدرجة أن من ينظر إليهما يتحول تلقائياً إلى حجر.

ولعل القصص المتغيرة عن “ميدوسا” هي التي تجعلها مصدراً لا ينضب من الانبهار، فهي رمز للخوف والرغبة والغضب، هي “الضحية الجميلة” و“الشريرة البشعة” و”الإلهة القوية”، إنها كل تلك الصور وأكثر من ذلك.

أسطورة “ميدوسا” تُثير تساؤلاً مهماً؛ كيف اختلفت طريقة النظر إليها عبر العصور والحقبات التاريخية؟

لم تكن هذا الكائن الشرير الذي نتصوره والتي جسدته الأساطير من خلال حكاية بشعة مشبعة بالغيرة والاضطهاد ”الذكورى”، بل تعكس قصة “ميدوسا” الحياة الواقعية التي تعيشها مئات النساء اللواتي قاسين العذاب وتمت معاقبتهن من قبل مجتمعاتهن إثر أي اعتداء يتعرضن له.

وهذا ما أوضحته “إليزابيث جونستون” في مقالتها “The Original Nasty Woman”، أنه كان يتم استخدام “ميدوسا” كنموذج لـ”شيطنة” القيادات النسائية، خاصة عندما تشعر السلطة الذكورية بأنها مهددة من قبل القوة النسائية، وبالتالي لم يعد ينظر إلى “ميدوسا” على أنها وحش، بل إن وقوعها ضحية الاغتصاب حولها إلى أيقونة للثورة النسائية حول العالم.

اقرأ أيضًا : دولة بوتان.. جمال طبيعي وسعادة لا تنضب

برجاء تقييم المقال

الوسوم

MAHMOUD HAFEZ

حياتي هي مملكتي لن أجبر احد على دخولها أو الخروج منها، و لكن استطيع ان أجبر من يدخلها ان .يحترم قوانينها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق