ثقافة وفنون

ميخائيل بولغاكوف، كاتب شجاع لم يلق التقدير!

ميخائيل بولغاكوف

ولد ميخائيل بولغاكوف في عام 1891 في كييف لأب يعمل بروفيسورا في الأكاديمية الدينية في كييف. كان والداه أفانسي وفارفارا يعيشان في شقة مستأجرة في شارع فوزدفيجنسكي. وقد وقع اختيار الزوجين على هذه الشقة لكونها رخيصة، وقريبة من الأكاديمية الدينية حيث يعمل أفانسي. في عام 1906 ينتسب ميخائيل إلى كلية الطب بجامعة كييف، ويتخرج عام 1916 طبيبا بدرجة امتياز.

في تلك الأثناء اتجه إلى الجبهة الجنوبية خلال استعار أتون الحرب العالمية الأولى، ليتطوع مع فرق الصليب الأحمر. وبعد ذلك جرى تعيينه طبيبًا ريفيًا في وسط غاية في البؤس والتخلف والبساطة، وقد صور بولغاكوف هذه المظاهر وانطباعاته في تعامله مع المرضى في كتابه الأول “مذكرات طبيب شاب” (صدر عام 1925). لتظهر بعدها روايته المبكرة “مورفين” التي تمثل نتاج تجربته الشخصية الواقعية مع إدمان تعاطي المورفين، حيث يقول بأنه لجأ إلى ذلك تحت ضغط آلاف الحالات الصعبة التي عالجها، لتقنعه زوجته التي تعمل ممرضة معه في نفس البلدة بضرورة العودة إلى كييف متخوفة من انكشاف أمر إدمانه ومنعه من مزاولة المهنة. وهكذا عاد إلى كييف سنة 1918، وهناك ساعده زوج أمه وزوجته الثانية (لأنه سيطلق زوجته ويتزوج مجددا) للتخلص من إدمانه. وتفصح كتابات الكاتب في “مذكرات طبيب شاب” عن الدور الكبير لأحداث ثورة أكتوبر 1917 التي يصر بولغاكوف على تسميتها بالإنقلاب، في إدمانه وتدهور حالته.

في روايته “الحرس الأبيض” ومسرحية “أيام آل توربين” وقصة “مغامرات طبيب غير عادية” عام 1922 يمكن أن نستشف الأثر الكبير للتبدلات الاجتماعية على تجربة ميخائيل بولغاكوف الشخصية والأدبية. فبعد استيلاء قوات “الجيش الأبيض” بقيادة الجنرال دينكين على كييف سنة 1919 استدعي بولغاكوف للخدمة في منظمة الحرس الأبيض، ونقل بصفته طبيبًا عسكريًا إلى القوقاز، وفي تلك الفترة ظهر مقال له بعنوان “آفاق المستقبل” فيه يعبر بولغاكوف عن رفضه للثورة، التي يتهمها بالتسبب بالمآسي والنكبات للشعب والبلاد، ويحذر من مخاطرها البعيدة. لقد رأى بولغاكوف سقوط القيصر مترافقًا مع سقوط كل ما هو عزيز على قلبه في روسيا، كان المجتمع ينهار!.

وبين عامي 1920-1921 تخلى ميخائيل بولغاكوف عن ممارسة الطب واتجه نحو العمل الأدبي، فكتب خمس مسرحيات عرض منها ثلاثة على خشبة المسرح المحلي. وحققت له مسرحية “أيام آل توربين” الصادرة سنة 1926 شهرة واسعة، وشاهدها ستالين على مسرح موسكو الفني عدة مرات. لكن أعماله المسرحية عموما، عرضته لهجوم ونقد لاذع من قبل الكتاب الشيوعيين والبرولتاريين، واتهم بتمسكه بتقاليد تشيخوف وبوشكين. وقد تكلم الكاتب عن تلك الفترة من حياته في مدينة فلاديقوقاز في قصته الطويلة ” مذكرات على الأكمام ” عام 1923.

في عام 1924 كتب رواية “بيوض القدر” وهي رواية خيال علمي ساخرة تحتوي نقدا لاذعا بشكل ضمني للقادة السوفييت ومغامراتهم السياسية غير محسوبة العواقب، وتسخيرهم للعلم والمعرفة لغايات سياسية سطحية، وفي هذه الرواية التي يمكن وصفها بالتنبؤية، بعد نظر كبير لما ستؤول إليه عواقب تلك السياسات الهوجاء.. ففيها يتنبأ بولغاكوف بالكارثة التي سنراها تتكلل لاحقا بانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه. حظيت هذه الرواية بتشجيع مكسيم غوركي، في حين جوبهت بنقد حاد واتهم على إثرها الكاتب بتبني “مزاج برجوازي جديد”، فمنعت العديد من أعماله من النشر وتعرض هو نفسه للمضايقة. وفي نفس العام كتب رواية “نشيد الشيطان” وهي لا تختلف كثيرا عن مضمون “بيوض القدر” النقدي.

عاش ميخائيل بولغاكوف سنواته الأخيرة يرافقه شعور باليأس من ضياع سنينه الأدبية سدى. ومع ذلك استمر يكتب بهمة عالية واضعاً عدد من الأوبرا. وقد باءت بالفشل محاولة ميخائيل بولغاكوف تجديد علاقة التعاون مع السلطة عن طريق وضعه مسرحية “باتوم”، والتي تتمحور حول فتوة ستالين، والتي كان لمسرح موسكو الفني مصلحة كبيرة في إخراجها بمناسبة عيد ولادة ستالين الستين. إلا أنه تم حظر المسرحية، إذ فسرت من قبل الجهات العليا على أنها سعي من قبل الكاتب لمد الجسور مع السلطات.

وهكذا، في عام 1940، توفي ميخائيل بولغاكوف في موسكو بمرض تصلب الكليتين، بعد أن أحرق مخطوطة رواية “المعلم ومرغريتا ” التي أنقذتها فيما بعد زوجته لترى النور متأخرة حوالي ثلاثة عقود عن تاريخ ميلادها الحقيقي، والتي أمتعت ملايين القراء في العالم. وحتى بعد نشر مسرحياته وروايته “المعلم ومرغريتا ” فإن بولغاكوف لم ينل حقه من الاهتمام من قبل النقاد والصحف والمؤسسات الرسمية السوفيتية. وتم التعتيم على إبداعاته وإنجازاته الفذة لعقود طويلة لاحقة بشكل مستغرب. ولم يفرج عن أعماله في الاتحاد السوفييتي السابق بشكل رسمي قبل انطلاق البيريسترويكا، باستثناء العرض المتكرر لمسرحية “أيام آل توربين”. ولم تقرر السلطات الرسمية الروسية افتتاح متحف الكاتب سوى في آذار من عام 2007، بعد وفاته بسبعة وستين سنة. إذ صدر قرار عن حكومة موسكو بتحويل البيت الذي كان يقطن فيه بولغاكوف إلى متحف يضم مقتنياته وتذكاراته. حيث تبرعت سيدة روسية بالأشياء التذكارية والوثائق التي تعود للكاتب.

كانت أغلب كتابات ميخائيل بولغاكوف تنطوي على نقد ذكي للأوضاع الاجتماعية والسياسية المريرة التي يعيشها وطنه، رغم الخطر الكبير الذي قد يجلبه ذلك على حياته. ورغم الإجحاف الذي عانى منه، إلا أنه يمثل شاهدا على ديمومة الإبداع وتجدده الدائم في جميع الأزمان، وأن التسلط والاستبداد مآله الزوال مهما طال أمد وجوده.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى