مدونات

موظّف الحكومة في المقهى

إنّ مشهد الجلوس على مقعد الوظيفة, وانتظار جرس التوقيت اليوميّ حتى يرنّ، معلنا انتهاء ساعات العمل الفعلي، يتكرّر يوميّا ولسنوات دون أن يتطوّر أو يتغيّر فلا يستجيب لحداثة العولمة ولا يعكس طموح أيّام الشباب والفعل

.أفعال وحركات بطيئة تسير رويدا نحو موت سريريّ وإعادة مقزّزة لنفس الشريط المملّ.

يقبع موظّف الحكومة على كرسيّه الصّديق ككلّ يوم يتعكّز قلمه الفضيّ، تعاني قدمه وفكره شيخوخة المكان والموقف، تحيط به نفس الصور والشخصيات وتسيطر عليه بلادة التفكير وبهامة الرؤيا وقاموس عتيق لمصطلحات بالية.

موظّف في الدولة تراه فتعرفه رغم تخفّيه بلباسه العصري وقت الدّوام  وزيّه الرياضيّ يوم الراحة الأسبوعية.

يمرّ قربك فتدرك انّك أمام قطعة حلوى انتهت صلاحيتها أو هو إحدى الأرقام الرومانية المسجّلة في جداول مجلّات الإحصائيات الرسميّة.

موظّف الحكومة الثوريّة يحترق, يتعرّى و يصيبه الغثيان, فيحمل أختامه ودفتر الإمضاءات ويختار إحدى المقاهي يمارس فيها عمله الدّوري طمعا في تجديد اسطوانة الرّغبة. لكنّه المسكين، يظلّ دائم  التفكير ودائم البحث عن الحلّ.

كيف له أنْ يُعيد أيّام الشّباب التي مضت وأخذت عرقه وجهده ورحلت!! هل أنّ تغيير الكرسي بمقدوره بثّ روح الشباب والفعل!!

تكتسح المقاهي مدن وأحياء وطننا العربي في إطار مشروع غربيّ يهدف إلى تحرير اللّسان والعقول واستباحة عملية هتك العرض ومعالجة عيوب القريب والبعيد أوهي في بعض الأحيان سفر فرديّ وسجن انفراديّ نحو راحة الذهن وخلق مساحة من الحوار الباطني وطلب النجدة لأفكار مُتعثّرة  تفرّ داخل سيارة إسعاف غير مبالية بالمارة وبالمحيط .

يصرّ الموظّف المفوّض اُمره لله على الجلوس في احدى المقاهي ذات الإقامة الإنفراديّة وتبنّي الصمت والفُرجة من بعيد أمام إنغلاق الأبواب في وجه خيال الفكر وبلوغ مسار غير ذي منفذ .

الوجع يسكن المقاهي والآهات والكلّ يلتحم بالموظّف العمومي هروبا من الظروف وضجيج المنازل وصخب السياسة ومطاردة بعض الالتزامات والشيكات وفواتير الماء والكهرباء المضخّمة التي تكبّل الفقراء فتجعلهم عبيدا للقروض البنكية والاداءات الشهرية والسنوية .

الوجع يسكن روّاد المقاهي من الموظفين وقت الدّوام ضجرا ورغبة حقيقية في الانتحار فيختارون الأقنعة كأنّهم جُثث وموتى مجالسهم تتنفّس وتشتكي الم الحياة الدنيا . أوجاع تحترق في الداخل وتتصارع في تناسق كأنّها منبر حوار لا يستحي من تبادل القذف والشتم والسبّ إلى حدّ ممارسة العنف المادي والمعنوي وقد تتوفر أركان الجريمة وشروطها الأساسية بركنها المادي والقانوني والمعنوي. لكنّها للأسف لا تظهر للعيان إلاّ على شكل شهيق وزفير وبخار.

سقط القناع على روّاد المقاهي من الموظفين وقت الدّوام , فانتهى بهم التاريخ من دون رباط عنق, حُرفاء للمستشفيات العقليّة بين مرضى أو موتى أو عبيدا لمجالس القمار والرغبة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ابراهيم الشخّاري

كاتب تونسي ورجل قانون يسافر باستمرار بين البحث في الجريمة وبين عشق الطبيعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى