أسلوب حياة

مواقع الدمار الاجتماعي

يوصف الإنسان دائماً بأنه كائن اجتماعي، يعيش في جماعة يستمد منها شعوره بكينونته، يؤثر في تلك الجماعة ويتأثر بها.
ومع انتشار فلسفة الحداثة وما أنتجته من قيم الفردية والمادية المفرطة وما ترتب على ذلك من هشاشة العلاقات الاجتماعية وتشظي الحياة الأسرية، كان لابد من سد الفجوة الاجتماعية لدى الإنسان الحديث فكان لابد من مواقع تواصل إفتراضي تشبع نهم الإنسان الحديث من الاجتماعيات وتغطي على شعوره بالوحدة ولو حتى بطريقة وهمية.

وهم العلاقات

تُسمي كثير من التطبيقات أمثال فيس بوك وانستغرام وغيرها ب(مواقع التواصل الاجتماعي) أى المواقع التي تتيح للشخص تنمية علاقته الاجتماعية، وتكوين دائرة كبيرة من الاصدقاء قد لا تتيح له الظروف العادية العثور عليهم فى الحياة الطبيعية نظراً لانشغال الناس، وسعة المجتمعات ،ولكن إلى أى مدي يعد ذلك صحيحا ً؟!
لا ينكر أحد أن دائرة أصدقاء أياً منا أكثر اتساعاً على فيس بوك مثلاً ،ولكن إلى أى مدى يكون ذلك الأمر صحياً فضلاً عن كونه حقيقيا ً؟

في تجربة للعالم الانجليزي Robin Dunbar عام 1990 توصل إلى حقيقة مثيرة ،ومفادها أن أكثر الناس اجتماعية لا يستطيعون تكوين صداقة مع أكثر من 148شخص، وسمي هذا الرقم بإسمه (Dunbars number).
وهذا يعني في حقيقة الأمر أن علاقات مواقع التواصل الاجتماعي ماهي إلا وهم كبير يعيش فيه الإنسان الحديث لتسكين الألم النفسي الذي يعيشه جراء الوحدة .

ولذلك فبرغم كثرة الاصدقاء والمتابعين الذين تجدهم عند رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلا أنهم في حقيقة الأمر يعيشون حالة كبيرة من الوحدة النفسية، والتعطش لعلاقات سوية على الجانب الأسري أو حتي الاجتماعي، ولذلك نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في غزو السوق باعتبارها المسكن الوحيد لأكثر المشاكل النفسية إلحاحاً للإنسان الحديث.

البارانويا والنرجسية

تنبأ الكاتب الروسي ديستوفيسكي  في روايته المثل بالحالة التي يعيشها الإنسان الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي، من محاولة لتضخيم  الذات، وصنع هوية مميزة،والحاجة المستمرة إلي التقدير والاحترام ولو وهمياً عن طريق أدوات سخيفة ك(Like)على سبيل المثال.

ولذلك تجد رواد هذه المواقع ولاسيما المدمنون عليها يسعون بشكل دائم إلى وضع أجمل صورة ،وكتابة ما يظنون  إنه الاجمل والأفضل دائماً فى محاولة منهم لصنع شخصية جذابة من وجهة نظرهم، سلبها منهم الواقع الأليم بكل مشاكله واحباطاته.
وتدريجيا ً تتضخم تلك الشخصية الافتراضية لتطغى على الشخصية الحقيقة، ويصبح هم الإنسان الأوحد كيف يصنع المزيد من الإنجازات الوهمية كي تصبح صورته الافتراضية أجمل وأفضل.
كيف يجذب متابعين أكثر؟!
كيف يحصل على المزيد من الاعجابات والمشاركات؟!
كيف يصبح مشهوراً؟!
وتدريجيا ً تذوب الشخصية الحقيقة ومعها الإنجازات الحقيقة على أرض الواقع لتتحول حياه الانسان إلي صفحة فيس بوك!

بطل من ورق

كما نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في اللعب على الفجوة الاجتماعية في حياتنا المعاصرة فإنها نجحت كذلك في اللعب على الآثار النفسية للشخصية الإنساني.

فكم من مرة وجدنا شخصاً يتغنى بالقيم والمبادئ على مواقع التواصل الاجتماعي ولكنه في حياته الحقيقة لايعير انتباهاً لأي مبدأ أخلاقي أو قيمة عليا؟!

ببساطة نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في اللعب على التأثير السيكولوجي للإنسان ،وعليها ااستطاع أن يفعل أى شئ وكل شيء لن يستطيع فعله في الواقع الحقيقي سواء لوجود عوائق مجتمعية، أو موانع قانونية أو نظراً لطبيعة الشخص الفردية.

في بحث موسع للدكتور John Suler توصل لأسباب تلك البطولات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي وأرجع ذلك لجملة من الأسباب هى:

1- حجب الرؤية

عندما تتعامل مع اشخاص طبيعين على أرض الواقع تراهم أمامك، تحدثهم ويحدثونك، لهم ردات فعل تلقائية بمجرد أن يصدر فعل أو قول منك يجعلك تتصرف بحكمة أكثر، اتزان أكثر، وتلقائية أقل.

تنتبه لما يبدر منك لما قد يكون مخالف لقيم المجتمع،أو قد يعرضك لمشاكل جمة، وذلك على عكس مواقع التواصل الاجتماعي التى تحجب الرؤية عنك ،فتعلم إن من تحدثه لن يراك، وإن تجاوز في حقك فإنك تستطيع اقصاءه بضغطة زر واحدة، كل ذلك يعطيك شعور وهمي بالقوة تجعلك تفعل ما تشاء دون أدنى شعور بالندم أو المسؤولية.

2- الهروب

فى مواقع التواصل الاجتماعي تستطيع أن تصادق من تشاء وتقصي من تشاء في الوقت ذاته.

يتيح لك الفضاء الإلكتروني أن تندمج في مجتمع يشبهك، وتقصي كل مخالف، وتهرب من كل مواجهة قد تُهزم فيها ، ترمي سهامك ثم تفر كذلك دون السماح لعدوك أن يتعقبك.

كل ذلك يعطي للمستخدمين شعور وهمي بالبطولة وتحقيق الذات ومن ثم تضخمها في النهاية.

3- الإدراك الخاطئ

نظرا لأن كل مستخدم على مواقع التواصل الاجتماعي يصنع هويته كما يطمح أو يحب، أو حتى يخفيها تماماً ،فانك عندما تتعامل مع أحدهم أنت في حقيقة الأمر تتعامل مع الصورة الوهمية المصطنعة التي من الممكن أن تقترب من الحقيقة ميلاً واحداً، أو تبتعد أميالاً عدة ،أو حتي تجانب الحقيقة بشكل كبير.

كل ذلك يجعل أحكامنا على من نعامل على مواقع التواصل الاجتماعي غير صائبة نظراً لنقص إدراكنا لما عليه الشخص في الواقع ومن ثم نتعرض لمشاكل جمة نتيجة ذلك الادراك الخاطيء.

تطوير الذات

تعد من أكبر مصائب مواقع التواصل الاجتماعي أمثال فيس بوك مثلاً هي قضية المجتمعات المغلقة ,أى المجموعات التى تتبني وجهة نظر مشتركة لكل أعضائها حول قضايا معينة سواء في الدين أو السياسة أو غيرها.

إنشاء مجتمعات قصدية موجهة بهذا الشكل يغيب فيها أدنى نوع من النقاش الحر حول ما نؤمن به، وما نعتقده، وفهم أسبابه المنطقية والموضوعية كذلك يجعلنا مجرد صدى صوت لأنفسنا، ويقضي على أى مساحة من محاولة فهم الآخر أو حتى فهم لماذا اعتقدنا هذا الرأي دون سواه؟!

ومع وجود مصادر موجهة أيدلوجياً وسياسياً تلعب على التوجهات المختلفة للشعوب، وتحرك خيارتها فى الحياه الثقافية ،والسياسية، والاقتصادية وهلم جرا يصبح مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي مجرد طعم سهل لصانعي القرار الدولي دون أدني وعى منهم .

الصورة المنقوصة

كل منا يريد أن يثبت للعالم أن له هوية مميزة ،يريد أن يطفو على السطح ويعبر عن ذاته،ولذلك نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في جذب ملايين الناس حول العالم لأنها أشبعت فيهم نهم الذاتية المفرطة.

ولأنك تختار تلك الهوية بعناية مفرطة فأنك تختار حتماً أفضل أحوالك ،وأجمل لحظاتك لتنشرها وهذا ما يدفع بك و بالباقين كذلك للدخول في لعنة المقارانات، فهم لايرون لحظاتك التعيسة أو اليائسة لأنك حتماً لاتريد أن تبدوا ضعيفاً، فاشلاً، مثيراً للشفقة أمام الآخرين وكل ذلك يدخلك مع الآخرين أمثالك في حلقات من المقارنات التي تودي بك حتماً إلي المزيد من الفشل والاحباط وربما الشعور البغيض تجاه الآخرين .

المثقف الفارغ

استطاع الفيس بوك أن يشكل طبقة بغيضة من مدعي العلم والثقافة والذين يتقنون فن الكتابة  والسفسطة ولو لم يكن لهم رصيد محترم من المعلومات التي ترقي بهم لفهم ما قد يقرأونه بالأساس ,إن هم قرأوا أصلاً.

تلك الطبقة من مدعي العلم والثقافة اتبعها الكثيرون ممن ليس لهم كبير حظٍ من علم أو ثقافة ,فأضافت إلى جهل الناس جهلاً آخر، فأصبح الشخص يظن إنه العالم العلامة، الحبر الفهامة  لمجرد قراءته مقالاً على الأزرق .

تلك الحالة من وهم العلم والمعرفة أثرت سلباً على أهل العلم الحقيقيين فضلاً عن تأثيرها على الجهال أنفسهم الذين يعتقدون إنهم بلغوا من العلم مبلغاً كبيراً وبالتالي لا يسعون إلى تصحيح معتقداتهم الخاطئة.

مقبرة الخصوصية

تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيس بوك مقبرة للخصوصية حتى ولو ادعى مستخدموه غير ذلك!

فبمجرد نشرك للمعلومات التي تخصك عليه فيعني ذلك إنك قبلت ضمناً تنازلك عن جزء من خصوصيتك بمحض ارادتك الحرة  وجعلتها متاحة أمام الملايين من البشر، ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى ماهو أخطر .

دعنا من أن هذا الجزء من الخصوصية  المتنازل عنه يكون غير محترم من قبل المستخدمين، ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالشركات الرأسمالية لا تُقدم خدماتها للمستهلكين مجاناً بل تسعى إلى أرباح مقابل الخدمة المقدمة، وكلفة هذه الأرباح قد تكون باهظة بالنسبة إليك عزيزي المستهلك!

تبيع مواقع التواصل الاجتماعي بيانات المستخدمين للشركات الكبرى، فبعد تنازلك عن خصوصيتك وعرضك لما تحب وتكره ساعياً لتشكيل صورة ذهنية ما، تُصبح دون أن تدرك مجرد مُنتج مستباح من جانب الشركات الكبرى لتسويق منتجاتها ،فضلاً عن الجهات السياسية التى تتطلع على خياراتك، وتفهم توجهاتك وأسبابها المنطقية ،والنفسية  كذلك ومن ثم تلعب عليها كيفما تشاء، وقد ظهر  ذلك جلياً لكل العالم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة.

كيف يجعلنا الفيس بوك أكثر تعاسة؟

في كتابه كيف يجعلنا الفيس بوك أكثر تعاسة نشر الكاتب طونى  صغيبني  دراسة مفادها أن الادمان على مواقع التواصل الاجتماعي تصيب الإنسان بمرض ADHD ،وهو مرض عصبي يؤدي إلي فرط التشتيت، وقلة الانتباه، وفرط الحركة، وعدم القدرة على إنجاز الأعمال باحترافية أكبر وكفاءة أكثر.

فإذا أُصيبت عزيزى القارئ بتلك الأعراض لمدة ستة أشهر فهنيئاً لك فأنت مدمن للفيس بوك وقد أصابك ببعض لعناتهِ.

هذه الأعراض تتمثل بالآتي :

1- الاندفاع

2- صعوبة تحديد الأولويات للمدى البعيد

3- التشتت وصعوبة التركيز في شئ واحد

4- سوء التخطيط لأهدافك

5- التقلبات المزاجية

6- صعوبة إدارة الوقت

الخلاصة

إذا كنت تعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي تجعلك اكثر اجتماعية فأنت مخطئ بكل المقاييس، بل على النقيض من ذلك فهي تجعلك أكثر عزلة ،أكثر اكتئاباً، وقليل الانجاز، و تعاني من متضخم الذات .

ولذلك إن كنت عزيزي القارئ تسعي للانجاز في حياتك ,وترنوا نحو حياه نفسية سوية ،وحياه اجتماعية صحية فيجب عليك أن تتوقف فوراً عن إدمان تلك المواقع ,وإن كنت لابد فاعلاً فلاتقضي عليها يومياً أكثر من ساعتين كحد أقصي.

اقرأ أيضا:

احذر الفيسبوك فَبِهِ وهم قاتل

المرض الذي أصبح يهدد حياة أبناءنا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق