مدونات

مواطن بدرجة ديكتاتور.. عنصرية تقتل المجتمع

ينادي الجميع بالقيم والمساواة وينشد البعض الحرية ويطلب الآخر العدل، لكن هل طبق هؤلاء أيًا من هذا؟ نحن نمارس كل يوم بطريقة أو بأخرى عنصرية قميئة على كل مخالف لنا في الرأي أو الشكل أو اللون إلخ.

منذ أيام، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قضية تعدي سيدة على زميلة ابنتها بالصف الثاني الابتدائي ودون الخوض في تفاصيل وباختصار شديد فهذه السيدة سخرت من وضع هذه الفتاة الاجتماعي وكيف لها وهي ابنة لبواب أن تتشاجر مع بنتها نجلة مهندس البترول سليلة الأكرمين بنت الحسب والنسب. وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على أذني الطفلة التي لم تبلغ بعد العاشرة فأصيبت بجلطة غيرت ملامح هذه الفتاة.

واقعة كهذه أخرجت هذا العفن الفكري الذي ألم بحياتنا، عنصرية تنتشر بيننا كانتشار النار في الهشيم فلا تترك متعلم ولا غير متعلم، فهذه السيدة يفترض فيها أنها تلقت مستوى تعليمي مرتفع لكن هذا المستوى لم يمنعها من ممارسة التمييز العنصري.

لقد امتلأت حياتنا بالتنمر والتميز الطبقي والحقد الاجتماعي فدعني أذكر لك ما يمارس في حياتنا اليومية من أفعال فجة لا تعلم من أين أتت! كهذا التنمر الممارس تجاه بعض لهجات مصر المختلفة كنحو لهجة بعض القرى بمحافظة الشرقية أو كتلك التي تمارس على لهجات بعض مناطق الصعيد، أفعال يحسبها البعض نوع من الترفيه والكوميديا لكن الحقيقة أنها أفعال تفتقد إلى ثقافة تقبل الغير واحترام الرأي والرأي الآخر تلك الثقافة التي بُنيت بها أعرق الحضارات الإنسانية وشكلت بها وجدان الشعوب.

يطلق البعض لسانه دون دراية لما تحدثه هذه الكلمة من وقع شديد على النفس فربما كلمة تكون أقوى من الرصاص، فكلمات السخرية التي يطلقها البعض على ملابس البعض وشكل البعض لهي صاعقة تصيب القلوب فتحرقها كمدًا وحزنًا، لك أن تتخيل صديقي العزيز أن ترى البعض يسخر منك ومن شكلك دون سبب إلا أن نمطك هذا غير مألوف بالنسبة له أي حقارة هذه! جهلك بما لدي لا يعطيك الحق في الاستهزاء بي فما إرادة الله إلا تنوع البشر واختلاف ألسنتهم وألوانهم فمن أنت لتعترض على قانون الله في الأرض!

عنصرية تمارس ليل نهار سواء أكانت بقصد أو بدون فتكرار السيء يكسبه شرعية القبول لدى البعض فيصبح في أبجدياته هي عين الصواب ومع غياب الوعي والثقافة تجد العنصرية أرضية خصبة للنمو والازدهار، فتجد السخرية من الأطفال أصحاب القدرات الخاصة ومرضى متلازمة داون والتعامل معهم بدونية مع اضطهاد بدني ونفسي ممارسات لا تفعلها الحيوانات مع أقرانها، لقد رأيت هذا عندما صدمت سيارة كلب لم يتركه أقرانه حتى سحبوه إلى جانب الطريق حتى يبعدوه عن الأذى المكرر من السيارات المتلاحقة، تلك الرحمة التي زرعها الله في قلوب هذه الحيوانات فقدها البعض في تعامله مع أقرانه من بني البشر.

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا منهم”. والسخرية تحمل في طياتها كل أشكال التنمر والتميز الممارس من قبل البعض لمن هم دونه في المستوى التعليمي أو المادي أو الاجتماعي كلها أشكال متعددة من السخرية نهى الله عنها وعن مارستها.

تلك السخرية الممارسة من قبل الأذكياء على من هم أقل منهم في الذكاء والسخرية من صديقي السمين والسخرية من صديقي ذو اللون المختلف والسخرية من القصير والطويل كلها أفعال عنصرية يرفضها البعض إذا مُورست ضده ويمارسه هو مع من هم دونه تلك هي الازدواجية التي يعاني منها البعض في تعامله، تناقض في حياته، وسوء فكر في التعامل تؤدي إلى تحطيم المجتمع وتفكيك أواصره.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق