سياسة وتاريخ

مهري أو مشروع القطيعة من الداخل الذي أجهض بليل

إذا كان بن يوسف بن خدة الرئيس الثاني للحكومة الجزائرية المؤقتة عشية الاستقلال قد غادر السلطة ومن بعدها النظام ثم النسق الفكري الذي انتسب إليه النظام كله، والتحق بحظيرة بالاتجاه الإسلامي دون أن ينخرط عضويًا بالضرورة إلى الحركة الإسلامية الكلاسيكية، فإن عبد الحميد مهري الذي هو أحد أعمدة دولة الاستقلال وأذكى ساستها ممن عرفوا كيف ينأون بأنفسهم عن سقطات النظام، لم يقطع حبله السري مع هذا الفكر الوطني الأول ولكنه قطع مع المنظومة التي لا علاقة عملية لها بهذا الفكر.

وبالتالي، كشف عبد الحميد مهري ما ظل مستورًا مما حدث عقب الاستقلال، من سطو عنيف على مؤسسات الثورة ومصادرة الوعي اللحظي بها، كان خطيئة كبرى بسبب نزعتها الغنائمية ليس أكثر.

كيف بقي “مهري” وفيًا للفكر الوطني وقاطعًا مع سلوك ساسته؟ وبالتالي كيف انفصل الفكر عن الواقع في القصة الوطنية؟.
حريّ بنا في بادئ الأمر تفكيك معنى الفكر الوطني الذي حمله الراحل عبد الحميد مهري وبقي على قناعة واقتناع به إلى أن وفته المنية.

لا يغدو عبد الحميد أن يُظهر في جماع مفرداته الكبرى وخطوطه الأولى تلك الرؤى التي أطرت الوعي بالمصير الوطني لدى مختلف الاتجهات الفكرية والسياسية للحركة الوطنية لتتبلور في الأخير في مشروع الاستقلال الذي تمت صياغته سياسيًا وعسكريًا في وحدة عضوية؛ مثّلها في الطرف الأول إطار جبهة التحرير الوطني، والطرف الثاني جيش التحرير الوطني!

مشروع أخذ بعين الاعتبار المسائل الانتمائية الثقافية في الفضاءات الإقليمية التي تجسد العمق الاستراتجي للبلد والخيار الاجتماعي الاشتراكي الذي استقام عليه وعي السواد الأعظم من فصائل ورجالات الحركة الوطنية إذ ذاك.

وظل عبد الحميد مهري متشبثًا بهذا الفكر مؤمناً بديمومته وصيرورته، حتى في ظل ما لحق ببُنى العالم من تصدعات أيديولوجية وبروز أنماط أخرى من الوعي الإنساني والسياسي، عبرت عنه – أو حاولت – بعض التشكيلات السياسية غير الكلاسيكية المستجدة، أي غير تلك التي ظلت تعمل في السرية في الزمن الأحادي.

أنماطٌ تتصل بفكر النهايات في الهوية في التاريخ وفي الإنسان نفسه، وهو ما اعتبره الراحل مهري وقتها أشد أنواع الفكر خطورة على البلد؛ كونه غريب عن تربة التاريخ الوطني ويفصل الأمة عن عمق جذورها، عروبي قومي مع وفاء للخاصية القُطرية.

وتولى عبد الحميد مهري وفق هذه الحمولة الفكرية الثقيلة وإشكالاتها المتتالية وعثراتها اللا متناهية في المسيرة الوطنية، مهمة قيادة الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) أو الذي “حُكم باسمه” – كما قال هو بنفسه في خطابه الشهير في ندوة الأحزاب التي عقدت صائفة 1991، كي يضعه ويُموْضِعه في السياق الجديد الذي أفرزته مرحلة التعددية ومؤشرتها العملية الأولى التي تأتت عن انتخابات المجالس البلدية والولائية التي سيطر على أغلبيتها الحزب الإسلاموي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ).

بيد أنه وفي ظل هزالة التجربة وقفلة الحنكة السياسية للمعارضة بكل فصائلها وقتها، لا سيما منها الإسلامية، وهي المعارضة التي لم تكن تعلم بما يلزم وبما يكفي من حجم المعرفة طبيعة التركيبة الجينية للنظام؛ وبالتالي خسرت الورقة الاستراتيجية في صراع التحول والانتقال من عهد سياسي إلى عهد جديد.

لم يكن عبد الحميد مهري بقادر على تغيير دفة الأحداث بقوة الفكر طالما أن فكر القوة هو من صار يحكم بعد انقلاب 11 يناير 1992، وبالتالي انتقل من مرحلة الحوار مع شركاء السياسة من فرقاء أظهور – كما أشرنا آنفاً – ضعفًا كبيرًا في الأداء في مقارعة نظام لم يستكشفوه جيدًا ولم يتعرفوا على سر قوته، ذلك السر الذي كان مهري يمتلكه ويمتنع عن التصريح به مع مقاومته عمليًا، إلى مرحلة الإنقاذ الذاتي الداخلي لبيته السياسي وفكره الوطني، وهذا عبر تحريره من هيمنة الظل التي مارستها السلطة بجناحها المتخفي والحاكم الفعلي للبلد.

نعم، لقد رفض مهري الذي عاش وعايش الخطيئة الثورية الأولى سنة 1962، يعيد هو تيار الكره سنة 1992 لا سيما وأنه كان يعرف غاية المعرفة، طبيعة التركيبة البشرية للانقلابيين وخلفيتهم غير الوطنية، وسوابق جلهم الاستعمارية كونهم من ضباط وصف ضباط المدارس الحربية الفرنسية التحقوا بجيش التحرير الوطني مع بداية بزوغ شعاع الاستقلال.

موقف عبد الحميد مهري المتوجس والممتنع عن التزكية والتعاطي مع حركة هؤلاء الانقلابيين، هو لحظة كاشفة لطبيعة اشتغال النظام ومعرية لبنيته الوظيفية التي بها كان يتمتع بخاصية النجاح الظرفي في الاندراج المتلبس في كل المتغيرات التي كانت تحدث داخليًا وخارجيًا.

إذ برفض مهري الذهاب مذهبهم ووفق خطتهم التي لم تكن كما تم تسويقها الحفاظ على الطابع الجمهوري من الإسلاميين، الشعار الذي ذهب ضحيته الكثير من النخب مع الأسف، ما يكشف كذلك عن القابلية للاستعمال التي أجاد ممسارتها السياسي على المثقف، اتضح بأن القرار السياسي في الجزائري ليس سيادي بل شللي تفرضه الجماعة التي تمتلك أداة الحسم بالقوة في لجظة مأزومة يكون فيها الوطن.

ففي النظام الجزائري تتغير الجماعات الضاغطة، وقد تتغير تشكيلة النواة الصلبة فيه، لكن السلوك الاستراتيجي في الديمومة يظل كما هو من يوم خُلق بالخطيئة هذا النظام.

ولا أدلّ على ذكاء الرجل من تزكية مواقفه وهو على رأس الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني بعد انقلاب 11 يناير 1992، من طرف قامة أخرى في التاريخ السياسي للجزائر، الأمر يتعلق بزعيم جبهة القوى الاشتراكية عميد أحزاب المعارضة بالجزائر، حسين آيت أحمد العارف، هو الأخر عمق المعرفة بعقل النظام السياسي بالجزائر وبنيته وتكوينه.

وبدوره، رفض “العارف” ليس فقط تزكية الانقلاب بل منصب تولي رئاسة الدولة التي اقترحها عليه جنرال الانقلاب خالد نزار، وشكلا معًا إلى جانب من ظل خارج السجن من قادة الجبهة الاسلامية للاإنقاذ كتلة معارضة تاريخية للجزائر المستقلة، تعكس فسيفساء فكرية، أيديولوجية متنوعة. وهذا من خلال عقد سانت إيجيديو الوطني بروما؛ وهو العقد الذي هز البيت الانقلابي وأدخله في أزمة داخلية طاحنة، ولولا دعم الغرب والمشرق للنظام لانهار في تلك الفترة.

هذا السلوك الاستراتيجي الذي هندس له عبد الحميد مهري لينقل جبهة التحرير والفكر الوطني عمومًا من وحل المصادرة والتدجين إلى الانبساط العملي، وبالتالي التحرر من وصاية القوة التي لازمتهما طيلة العقود الثلاث التي تلت الاستقلال، لم يكن ليمر على الفاعلين الجدد في النظام، ممن ذكرنا، من غير الوطنيين (ضباط وصف ضباط فرنسا).

وعليه لم يمر عام عن وثيقة سانت إيجيدو حتى أطيح بعبد الحميد مهري فيما عُرف بـ”الانقلاب العلمي”، وجيء بمن يعيد جبهة التحرير إلى أقبية الظلام لتؤدي دور الخادم في الواجهة.

واضح إذًا أن عبد الحميد مهري كان على تمام الدراية بأن انقلاب 1992 حركة منحرفة عن المسار الوطني ومقاصدها كانت غائرة وعميقة؛ تروم القطع من أصول المجتمع الجزائري الوطنية، وهو ما شرع يتجلى مع أولى أيام حكم الانقلابيين من تجميد لعدة قوانين كانت بالكاد قد دخلت حيز التنفيذ لتحمي الهوية الوطنية مثل “قانون التعريب”.

في الأخير يظهر لنا أن عبد الحميد مهري برفضه الانصياع لقوة الاستئصال التي جرفت حلم التعددية شتاء 1992، كان يدرك غاية الإداك حتمية الصدام بين وعي محتمعي نشأ من تفاعل الأجيال مع المشروع السياسي لدولة الاستقلال الذي كرسه هواري بومدين، وهو مشروع دولة بالأساس ولم يكن لا مشروع وطني ولا مشروع مجتمعي.

لذا كان قد نادى في بداية الربيع العربي بضرورة تغيير منظومة الحكم، التي بحسبه، عفى عنها الزمن ولم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعات وطن جديد جِسمه شاب وعقله هرِم! لكن إصرار هذا العقل (الهرم) على الاستمرار ثم “الاستمرارية” ضد منطق التاريخ وطبيعة الأشياء أوقع البلاد في حرب أهلية لمدة عشر سنين، ومن بعدها دمار من الفساد والإفساد لعشرين سنة تحت قيادة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وإخوته وزبانيته.

ليدرك الناس بأن عبد الحميد مهري كان آخر القادة السياسيين المجددين للفكر الوطني، هذا الفكر الذي ظل بعده يتيمًا. وتظهر كل المؤشرات الحاصلة أنه سبقى كذلك إن بقي في المسرح السياسي الوطني بعد نهاية معركة الحراك مع النظام الطويلة.

اقرأ أيضًا: المادي والعقلي في عقبات التحول السياسي في الجزائر

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق