سياسة وتاريخ

من يقف ضد مظاهرات العراق؟

الثورة مفهوم وفكرة، وليس من السهل فهمها والإيمان بها، فالثورة تعني كسر القيود والخروج عن النص، وأيضاً الثورة خيار وليس إجبار، لكن حين تُسلَب الحقوق وتُصادَر الحريات، تصبح الثورة ضرورة حتى لا نقول إجبارًا.

ما هي “ثورة تشرين”؟ وكيف بدأت؟

ما يحدث في العراق هو ثورة ضد السلطات الحاكمة -الغير حاكمة- نظراً لوقوع القرار في أيدي القوى الخارجية، والسلطة الحاكمة هي مجرد واجهة لهذه القرارات، فالحالة التي وصل إليها العراق في كل النواحي سواء السياسية أو الاقتصادية أو المعيشية، أوصلت شعبه للخروج إلى الشارع رفضاً منهم لما يحدث في بلدهم، فالعراق أكبر من هذه المهزلة ولا يستحق إنعدام السيادة.

في الأول من أكتوبر 2019 خرجت مظاهرات حاشدة عفوية في بغداد مناهضة للحكومة، ومطالبة إياها بتحقيق بعض المطالب التي طُرِحَت آنذاك، وهي مطالب بسيطة وبالأصل من المفترض أن تكون متوفرة في أي بلد متقدم في العالم، وقد قوبِلَت هذه المظاهرات بالقمع مما أدى إلى استشهاد العشرات، وسرعان ما خرجت باقي المدن العراقية منتفضة ومنددة بهذا القمع، حتى بدأت تتوسع رقعة المظاهرات وباتت تُعرف ب”ثورة تشرين”.

وحتى الآن الثورة مستمرة ووقع فيها أكثر من 750 شهيد والآف الجرحى، نظراً للقمع الشديد الذي لاقته من السلطة الحاكمة، سواء عن طريق قوات الشغب أو عن طريق ميليشياتها واسعة النطاق التي لها شأن فوق القانون هناك، وبالرغم من ذلك فإن هذه الثورة استمرت بسلميتها تماماً، لكن رقعة المطالب توسعت إلى إسقاط الحكومة، حيث أدت هذه الثورة إلى فضح كل الخطوط الحمراء في البلاد، وعمالة حكام البلد لدول الجوار وبوجه الخصوص إيران وأمريكا إلى العلن وبشكل صريح. 

إذاً من الذي يقف ضد مظاهرات العراق؟

ينقسم الشارع العراقي إلى قسمين، من يساند الثورة، ومن يعارضها ويقف ضدها، على الرغم من أن من يقف ضدها ربما لا يزيدون عن 15%، فلماذا يعارضون الثورة؟ وما هي حججهم لمعارضتها؟

القسم الأول: السلطة الحاكمة وميليشياتها التي تملك السلاح، والتي نفذت هجمات متعددة على المتظاهرين والتظاهرات، سواء في بغداد والناصرية والنجف وكربلاء، واستخدمت القناصين في قمع التظاهرات، وواجههم المتظاهرون العزل بصدور عارية!

القسم الثاني: وهم من أعتبرهم أشد خطراً وهم الشعب نفسه، من يظنون أن نظام الحكم قائم بصورة صحيحة والثورة لا حاجة لها، أو إن بعضهم مشاعره الطائفية تجعله يلاحق شخصيات دينية منغرسة بالحكم ولهذا يطالب ببقاء الحكومة.

بالرغم من وقوع شهداء من المتظاهرين العزل بصورة مروعة، وبالرغم من انتشار مقاطع حية لمشاهد العنف في المظاهرات أبكت حتى الصخر، لكنهم لا زالوا يعارضون ويقفون ضد الثورة.

كيف تُقنع هؤلاء؟

هناك مفهوم مهم يجب أن يفهمه الجميع، هو أنه في كل مجتمع وبلد في العالم يوجد تعدد الطبقية، فهناك الغني والفقير، والطبيب وعامل النظافة، والمهندس والعامل، وهناك المثقف والغير مثقف، وهناك القارئ وهناك الغير مهتم، يجب أن نفهم تعدد الطبقية ولا نطلب مجتمعًا مثاليًا أو دائرة مثالية من الناس في أي مكان أو أي ظرف.

في ساحات التظاهر توجد هذه الفئات جميعها، فالبعض يبرر قمع المتظاهرين بحجة إنهم يرمون الحجارة أو المولوتوف تجاه قوات الأمن، ولا يفكر إنه بين المتظاهرين هناك من رأوا أصدقائهم يُقتَلون أمام أعينهم، وهناك من فقدوا إخوتهم ومحبيهم سواء عن طريق القتل أو الخطف المنظم أو بأي وسيلة، لا يفكرون في استفزازات قوات الأمن لهم، لا يفكرون بالميليشيات التي تقتل وتخطف المتظاهرين السلميين بينما قوات الأمن تقف واضعة اليد على الخد بلا تدخل.

يريدون من المتظاهرين أن يكونوا أنبياء حتى ينزلوا إلى الساحة، وأن يرتدوا القاط والرباط، لا يصرخون ولا يغلقون منفذًا ولا شارعًا وكأن بلدهم لامع الأرصفة والأزقة، وكأنهم نسوا كم زقاقًا مغلقًا فقط لأن بيت المسؤول الفلاني يقع فيه، وكأنهم نسوا عند مرور موكب للمسؤول الفلاني كيف يغلق الشارع، حينها لما لم يُعارضوا؟ يريدون من المتظاهرين أن يكونوا كلهم قُرّاء كُتّاب علماءً فقهاء، وكأنه لا يوجد تعدد طبقية في المجتمع، وكأن الثورة محصورة فقط لمن يجيد القراءة والكتابة!

نسوا التعليم الرديء في بلدهم، ونسوا الفقر الذي دفع بالعديد من الطلبة لترك الدراسة فقط لإعالة عوائلهم، وكأنهم نسوا انخراط العديد من هؤلاء في القوات الأمنية في فترة محاربة داعش فقط للدفاع عن العراق، وكأنهم يجعلوننا نقول اللعنة على نقمة النسيان التي أصابتهم!

يجعلوك تتسائل، كيف يقف الإنسان متفرجًا على قتل أبناء بلده؟ وربما حتى على مقتل نفسه يوماً ما!

وفي نفس الوقت صمود التظاهرات السلمية ضد كل أنواع القمع والترويع تجعلك تتسائل، هل يوجد شعب بشجاعة الشعب العراقي؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

وسام الشيخلي

كـاتب عراقي .. وأكـتُب للعراق

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق