مدونات

من وحي الطفولة

في الخامس عشر من سبتمبر 1999 كنت على موعد مع أول حصة من الحصص الدراسية هناك بتلك المدرسة البعيدة جدا، التي كانت تبعد بحوالي ست كيلومترات عن منزلنا، كانت أول مرة أطل فيها على المدرسة ذات الجدران التي تحيط بها، ثلاثة حجر مختلفة القد والطول، مزينة من الداخل بعناية فائقة، رسومات وأشياء أخرى كثيرة، كنت أدير رأسي يمنة ويسرى، ويسرح عقلي في تحليل الكتابات والرسومات على الجدران، أترقب المعلمة الجميلة، ذات الوزرة البيضاء والإبتسامة الأخاذة، نظرت إليها نظرة إبن لأمه، ونظرت لي بتمعن والحنان يتدفق مع كل نظرة ولمسة.

المعلمة الجميلة التي رحبت بنا، بعدما وصلنا متأخرين، كانت تسأل كل واحد منا، وتسجل ذلك في دفترها الخاص، كانت حازمة شديدة الحرص على كل التفاصيل الرئيسية والثانوية، لا تمل ولا يعلوا على وجهها الحزن، رغم كل ما كنا نفعله، والحماقات التي تصدر عنا من حين لآخر، علمت بعد دقائق أني تخلفت عن الحصص الأولى، التلاميذ الذين كانوا يرافقونني من الدوار أخبروها بذلك، الفقيه سي “حسن” يريدني أن اكمل حفظ القرآن الكريم وتجويده، جدي يريدني أن أكون معلما، أنا أريد أن أكون جنديا..كلهم يدفعونني إلى ترك المسجد والذهاب إلى المدرسة، المعلمة أعجبت بي من الوهلة الأولى، كانت تتحدث إلي عن مزايا التعليم، عن الأحلام الوردية التي سأجنيها من ولوجي الى المدرسة، سعدت كثيرا وإطمأن قلبي، رحت أفكر في أن ألتزم بمواعيد الدراسة.

بكى الفقيه كثيرا، بعدما سمع قراري الأخير وأنا صغير السن، ظل يتوسل إلي بأن أواصل حفظ القرآن الكريم وتجويده، ولكني كنت مصرا على تعلم الحساب والفرنسية وتكلم عربية الرسوم المتحركة والافلام المكسيكية، التي تعلمناها من خلال شاشاتنا ذات اللونين الأبيض والأسود.

لقد حفظت أجزاء من القران الكريم، وأصبحت أتعلم القراءة والكتابة والتفسير والحديث أحيانا، لذلك فالفقيه الأسمر الذي كان يرى في خليفته، لم يتحدث معي لأسابيع كثيرة، لم تعجبه فكرة ذهابي إلى المدرسة.

بعد صراع طويل مع نفس تحب الذهاب إلى المدرسة وقلب يريد حفظ القرآن الكريم، أخيرا قررت أن أنهي علاقتي بالمسجد والفقيه “حسن”، وأن أذهب إلى المدرسة، لتعلم الرياضيات والعلوم، القراءة والكتابة، لقد كنت أسمع إلى الكثير من الأطفال، الذين سبقوني في ولوج المدرسة، وأعجبت بها كثيرا، لقد تعلموا الكتابة والقراءة والرسم، يحفظون القرآن، وأشياء أخرى، بالرغم من حداثة إلتحاقهم بها، الأمر الذي جلعني أجر رجلاي المجهدتان وكلي حماس ورغبة في الإلتحاق بالحصص الأولى وملاقاة المعلمة المبتسمة دوما، لأخبرها بالقرار الذي سيسعدها كثيرا، الأصدقاء الخمسة عشر اخبروني بضرورة الإلتحاق، لقد بدأت المعلمة في الكتابة على السبورة وتوزيع المستلزمات، كل مرة أتغيب فيها كانت تسأل عني.

الإثنين العشرين من سبتمبر غادرت المنزل الصغير الذي أسكنه رفقة أسرتي المتواضعة، في قريتنا الصغيرة، أسابق الرياح نحو المدرسة الموعودة البعيدة التي لا أعرف طريقها، الأصدقاء الذين أخبرونني أنهم سينتظرونني، صباح يوم الإثنين قد غادروا، بعدما تأخرت قليلا، أمي كانت تجهز الفطور وتأخرت في إعداده، لم أتناوله من فرط الفرحة، وغادرت أجري نحو المكان الذي حددناه من قبل ونحن نلعب كرة القدم.

عند وصولي أخبرتني سيدة كانت تسكن هناك، أنهم غادروا ولم ينتظرونني، لم أحزن وسرت أطوي الطريق طيا نحو المدرسة، أعلم منذ البداية أنهم لا يريدونني أن ألج عالم المدرسة، لقد تفوقت عليهم في المسجد، وحفظت القرآن بسرعة، يخافون من تفوقي عليهم في المدرسة…

لقد إختفت ملامحهم وغادروا من حيث لا أدري، جدتي المسكينة تحمل حقيبتي بعدما لحقت بي، تصيح و تصيح تولول ولا أحد إستطاع أن يسمعها أو هكذا خيل لي، تركتني الجدة أسير لوحيدي وهادت إلى المنزل، لأول مرة أجد نفسي وحيدا، الطريق موحش خالية إلا من أصوات العصافير والرياح، الأوغاد إقتربوا من الوصول، بينما كنت أسارع الوقت وأريد اللحاق بهم، أتتبع آثارهم لكي أعرف طريق الوصول إلى هناك..

الحذاء الأسود الذي إقتناه لي خالي بدأ يألمني، لقد تعبت من الجري دون جدوى، الدم  بدأ يسيل من أطراف قدمي، الحقيبة ثقيلة جدا، ملابسي بدأت تتسخ، بدأت أتصبب عرقا، وشيء ما بداخلي يدعوني إلى العودة إلى المنزل، جدي الذي عادة ما يفتخر بي يهمس في أدناي بضرورة التقدم لأن التراجع صفة ملازمة للجبناء، ويقول همسا:
-عليك بالمشي مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن..
الشيء الذي كان يدفعني إلى مواصلة التقدم والسير إلى المدرسة لوحدي.

ثلاث حجرات بيضاء وسيدة في مقتبل العمر تقف أمام تلك الحجرة الواسعة، التي أدخلها لثاني مرة، بوزتها البيضاء، وهالتها يقفن إلى جانبها معلمتان بقدها وقامتها، يبتسمن في وجهي، تحدق إلي ببصرها وتشير بيدها للإقتراب بعدما توقفت خوفا من عقابها لي على التأخر..

كنت أتقدم بخطوات متتاقلة، ورأسي يكاد يلاطم الأرض، الدموع معلقة على أخاديدي السمراء، سحنة وجهي تتلون بالأحمر خوفا وخجلا، دموعي التي سبقتني تكاد تسقط، مسكتها ومسكت المعلمة بيدي ومسحت على رأسي، إحساس مذهل يحدث لي لأول مرة، لن أنساه مهما عشت، نظفت ملابسي وأخذت تغسل وجهي بلطف وحنان، ثم مدت يدها إلى جيب الوزرة وزودتني بحلوة لذيذة، إبتسمت وكأن الأرض اشرقت بنورها، زال خوفي قليلا فابتسمت انا ايضا، ثم أشارت إلي بالدخول إلى حجرة الدرس والجلوس في الخلف، بدأت اسمع همسهم وهم يتهامسون:
-“انه هنا من جديد هذا الوغد لن يستسلم بسهولة”..

المعلمة الجميلة حملت حذاءي الذي تركته عند الباب، بلطف وأخبرتني أن لا أتركه مجددا، المدرسة ليست مسجدا، التلاميذ الذين يجلسون من جديد يضحكون، وقد نسووا أنهم وقعوا فيما وقعت فيه ذات يوم كما أخبرتني بذلك المعلمة..
يضحكون حسدا إنهم لا يريدونني أن أدرس معهم هنا ايضا، لا يريدونني معهم في كل مكان.

أخذت المعلمة تقلب كتبي وتكتب إسمي على كل كتاب ودفتر، أحضرت كل المستلزمات والكتب وقمت بتغليفها أيضا، ثم أخذت بعضها إلى خزانة القسم وتركت لي القليل، ركدت أجرى نحوها وأنا مصر كل الإصرار على إسترجاع كل كتبي، لا أريد التفريط بأي منهم، المعلمة و نفس الإبتسامة والحنان نفسه ونظرة تأمل طويلة، تلاطفني بصوتها الحلو وبعدها أفهمتني بأن بعض الكتب ستبقى هنا حتى نهاية الموسم…ثم همت لأ ستاذة أخرى بصوت رقيق:
-“هذا التلميذ سيكون له شأن عظيم”.

في اليوم الموالي وعلى الساعة الثامنة صباحا، كنت قد وصلت قبلهم وبدأت أكون علاقات مع العديد من التلاميذ من مختلف المستويات والأعمار، وبعد نصف ساعة دخلنا إلى الحجرة الدراسية، بدأت المعلمة بمراقبة الواجبات المنزلية…جميع التلاميذ أنجزوا المطلوب وكنت الوحيد الذي لم ينجز ذلك، أحضرت إحداهن العصا من القسم المجاور كالعادة، أدركت أني ملاق حسابي العسير بعد حنان يوم أمس..
الأستاذة الجميلة التي رقت لحالي بالأمس تنهال علي بالضرب المبرح، تريدني أن أبكي ولربما أكون عبرة لباقي التلاميذ، حسب ما فهمت عندما كبرت، من جديد يضحكون.
إنها المرة الثانية التي يضحكون فيها لأني ،لقد أصبحت حديث هؤلاء التلاميذ، جدي سيوبخني إذا سمع بذلك..

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق