مدونات

من هو الإنسان الحر؟

من هو الإنسان الحر؟ هل هو ذلك الإنسان الذي يقوم بنزع ملابسه كلما رأى بأن الإنسان له حرية مطلقة؟ أم أن الإنسان الحر مصطلح يطلق على مجموعة من المعايير التي يجب أن تتخذ وتحترم من أجل القول أن الإنسان يمتلك حرية؟ فما طبيعة حرية هذا الإنسان الذي نقول عنه أنه يولد حرًا؟ وماذا عن حرية التفكير وحرية التعبير والرأي؟ هل هي حرية مطلقه أم حرية محدودة بمجموعة من الشروط التي يجب ذكرها إذا توفرت؟

إن الإنسان يولد حراً بالفعل، لكن هذه الحرية يجب أن تكون محدودة لا مطلقة، لأنها إذا كانت مطلقة سيكون حيواناً ولن يصبح في منزلة الإنسان الذي يتسم بالعقل، إننا عندما نقول أن الإنسان حر ونقول في نفس الوقت أنه كائن ذو عقل ومتدين، قد يظهر هذا تناقضاً إذا نظرنا إلى الأمور بشكل سطحي، إلا أننا إذا نظرنا للأمور بشكل متعمق وبشكل أكثر منطقية؛ سنجد بالفعل أن الإنسان هو كائن يتميز بالحرية، لكن في حدود بدء حرية الآخر.

فلا يجب أن يتعدى الإنسان حريته ويستغل هذ الأمر من أجل الاعتداء على الآخرين وسلب حقوقهم، ولا يجب أن تكون الحرية كذلك السبيل الذي يجعل الإنسان يتجه نحو الاعتداء على حرمات وحقوق الآخرين، وإلا فإنه سيفقد حريته كذلك إذا اعتمدت المجتمعات هذا النظام، فالحروب التي نراها اليوم بمجموعة من الدول لا تكون سوى نتيجة هذا المنطق الخاطئ لدى العديد.

وإذا اعتمدنا كون الإنسان له حرية مطلقة، هذا المنطق يجعل الإنسان يسيطر على الآخر، ويجعله تحت رحمة الآخر، في حين أن الإنسان يتميز بسمات يجب احترامها، هذه السمات تتجلى أساسًا في كون الإنسان شخصاً يستحق التقدير والاحترام، فالإنسان خلق بمشاعر وأحاسيس وعقل، هذه المكونات كلها تجعله يحس بأن له قيمة في محيطه وفي العالم، وأن الإنسان لا يحصى بمجرد كونه رقمًا كما يحصى الحجر، وإنما يحصى ككائن له قيمة.

ليبلغ عدد الشعوب أي عدد أراد بلوغه، فهذا لا يعني أن قيمة الشخص من بين هؤلاء الشعوب ضعيفة جدًا، وإنما قيمته غالية جداً لا ثمن لها، لذلك فإن الإنسان إذا كان يعتبر حرًا في تفكيره وفي رأيه، وإذا كان يعتبر حرًا فيمن يحب أو في اختيار من يحب، فهذا لا يعني أنه حر في احترام الآخرين أو عدم احترامهم، بل هو مجبر على احترام الآخرين، هذا يعني أن حرية الإنسان مقيدة ما دام أنه مجبر وملزم على احترام الآخرين بعدم تجاوز الحدود المرسومة له، والمبينة حسب العرف والقانون والشرع.

لذلك فيمكن القول أن الإنسان ما دام حراً فإنه منتج للأفكار، ومنتج لمجموعة من الأشياء الجديدة، لأن الحرية هي التي تقود الإنسان للاستكشاف، ولا يعني إذا قلنا أن الإنسان له حرية مقيدة أنه سيحد من هذا الإنتاج، بل العكس، فإنه سيحافظ على هذا الإنتاج، لأن تلك الحرية المشروطة بمجموعة من القوانين تحافظ على حياة كل فرد في المجتمع، إضافة إلى أنها ترفع من معنوياته بالحفاظ على كرامته وإعطائه القيمة بكونه واع ومفكر، وإنسان قبل كل ذلك يستحق كل الاحترام والتقدير.

إن الإنسان بوصفه كائنًا حرًا يجب أن يستغل هذه الحرية كحرية التعبير والرأي وحرية التصرفات في الإبداع الجيد، وفي المجال الإيجابي الذي من شأنه أن يساهم في الرقي بالمجتمع وتقدمه فكرياً وسياسياً واقتصادياً كذلك، فحرية الإنسان هي أعظم استثمار من أجل الإبداع والاكتشاف.

يكفي أن نضع مقارنة بين موظف ذو حرية في شركته وآخر لا يملك الحرية إلا بتطبيق ما يملي عليه رب العمل، فسنجد أن الشركة الأولى التي تحتوي على الموظفين ذوي الحرية الكافية لهم هم الأكثر مردودية في شركتهم، وهذا غير خفي على كل إنسان، إذ لا يظهر إبداعاته وطاقته إلا عندما يحس بامتلاكه الحرية الكافية للقيام بذلك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى