مدونات

فقه الدعاء في الإسلام

الدعاء هو العبادة، ويكفي أن الله تعالى سماه عبادة، فقال سبحانه وتعالى: “وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين”، فلم يقل القرآن: يستكبرون عن دعائي، بل قال: عبادي، وفي ذلك دلالة قاطعة على أن الدعاء هو العبادة.

وفي الحديث ما يؤكد هذا المعنى، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدعاء هو العبادة”، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ليس أكرم على الله من الدعاء”، وقال صلى الله عليه وسلم: “من لم يسأل الله يغضب عليه”.

والفقه الذي نتعلمه من الدعاء؛ أن الدعاء لا ينافي الأخذ بالأسباب، بل لعل من شروط قبول الدعاء هو الأخذ بكل سبب يوصل المؤمن إلى مطلوبه، ثم إذا ما استعملت أسباب الأرض، التجأ المؤمن إلى الاستعانة بأسباب السماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

والأخذ بالسبب كشرط لقبول الدعاء تعلمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان قبل الدعاء والالتجاء يأخذ بكل سبب يبلغه مطلوبه، ثم يرفع يديه يستنجد بالله سبحانه.

ففي يوم الطائف خرج إليهم يدعوهم إلى الله تعالى، وكان ما كان مما يعلمه كل أحد، فعاد إلى حيث تبدأ حدود الحرم، ووقف عند وادي نخلة وطلب دخول مكة فمنع منها، فهنا كل أسباب الدعوة قد استخدمت وكل أسباب الأرض قد فنيت، فلا هو يستطيع العودة إلى الطائف حيث طرد، ولا هو صلى الله عليه وسلم يستطيع دخول مكة حيث منع.

وهنا كان الدعاء الشهير الذي حرك أمداد الملأ الأعلى لنصرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث ابتهل” اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك”.

إن من فقه هذه الحادثة أن نعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يرفع يديه بالدعاء، كان قد أخذ بكل سبب ممكن للوصول إلى مراده، ولأن السبب وحده لا يأتي حتمًا بمسبباته، فكان الدعاء، حيث طلب المراد ممن لا يحول بينه وبين مراده شيء ولا سبب.

وأيضا في غزوة بدر، دعا النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: “اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض”، هذا الدعاء أغفى على أثره النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءه، ثم أفاق مستبشراً مخاطباً أبا بكر الصديق رضي الله عنه: “أبشر أبا بكر فهذا جبريل يقود المعركة على ثنايا النقع”، أي غبار المعركة.

ولكن قبل هذا الدعاء الذي حرك السماء، نجد النبي صلى الله عليه وسلم كان قد خرج إلى بدر، ثم استشار أصحابه في القتال، ثم ردم الآبار، ثم سوى الصفوف ووضع خطة الحرب قائلا: “إن اكتنفكم القوم، فانضحوهم عنكم بالنبل”، أي ارموهم بالنبل، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم.

فكان من الأخذ بالسبب أن أمر أثناء المعركة باستخدام سلاح الرماية، ثم لما حدثث المبارزة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- “شدوا” أي سلوا السيوف بالهجوم، بل لأجل سرعة الحركة، حث النبي صلى الله عليه وسلم الشجعان أن يتخففوا من الدروع، إلى غير ذلك من استراتيجية الحروب التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم كأخذ بالأسباب، وهذا كله قبل أن يستجيش جند السماء بالدعاء.

ونحن في صلاتنا نبدأ بالطهارة ثم الدعاء، فهذا أخذ بالسبب، وبعد الصلاة ندعوا، وفي الزكاة، نؤديها أولاً ثم يكون الدعاء،حيث قال الله تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم”.

وفي الحج، بعد الوقوف بعرفة والمشعر الحرام قال ربنا: “فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.

والصلاة المذكورة بعد الزكاة، والذكر المقصود بعد الحج، المراد بكل ذلك هو الدعاء حيث سمى الله تعالى الدعاء ذكرًا وصلاة لشرفهما، كما سمى العبادة دعاءً لشرفه، وفي كل ذلك أخذ بالسبب قبل مباشرة الدعاء.

وحتى الأنبياء الكرام نوح وإبراهيم وموسى وعيسى كانوا يأخذون بالأسباب قبل الالتجاء والتوسل بالدعاء.

ولكن متى نعتمد على الدعاء وحده؟

الجواب: حين تنقطع الأسباب كلها، ولا يكون معنا أسباب نستخدمها، هنا فقط يكون الدعاء هو سلاح المضطر حيث يقول الله تعالى: “أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء”.

وهذا ما نتعلمه من سيدنا إبراهيم الخليل، فحين ألقي به في النار لم يكن أمامه إلا الدعاء فقال: “حسبي الله ونعم الوكيل”، فهنا لا سبب، بل هنا مسبب كل سبب.

وفي يوم أحد، أثخنت الجراح المسلمين، وكانوا لا يقوون على القتال، ولذلك حين جاء النبأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين يتشاورون في العودة لاستئناف القتال، هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “حسبنا الله ونعم الوكيل” هنا فقط حيث لا قدرة على القتال، وحيث لا سبب يباشر.

فحسبنا الله ونعم الوكيل التي يقولها الناس في كل موطن، هذه لا تقال إلا في ظروف معينة وقت انعدام السبب فقط، وهذا من فقه الدعاء.

وهنا لا بد لي أن أنبه هؤلاء الذين يظنون أن مشاكل الدنيا ستعالج بالدعاء فقط، فأقول لهم: إن عدم الأخذ بالسبب والاكتفاء بالدعاء لهو جهل بفقه الدين، لأن الله تعالى أمرنا بالأخذ بالأسباب.

إنه حين وقعت كارثة كورونا وحصد الوباء آلاف الأرواح، إذا بالبعض يدعو إلى مسيرات منظمة وتجمعات كبيرة، تجوب الشوارع والبلدان ويضجوا إلى الله تعالى بالدعاء لرفع البلاء.

وهذا إن حدث لن يكشف البلاء ولن يقضي على الوباء، بل سيزيد الأمر سوءً، فالأخذ بالأسباب يقتضي منا أن نكف عن الاختلاط بكل أنواعه، وأن نلتزم البيوت وجوبًا، فهذا هو السبب الأول للقضاء على الوباء.

ثم بعد ذلك نلجأ إلى الله تعالى ونتضرع إليه بالدعاء، أما أن نجوب الشوارع ونكسر الحجر الصحي، فهذه معصية لله تعالى، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق