سياسة و تاريخ

من حضارة الإغريق إلى عصر النهضة، هل قفز الغربيون؟

عجبت لقوم وصلوا من الفكر شأوا، يذكرون سقراط وأفلاطون وأرسطو ثم يقفزون أكثر من 1500 سنة فيتكلمون عن مكيافيلي ودافنتشي واسبينوزا وروسو…لماذا قفزوا كل هذه القفزة التاريخية الهائلة؟

قد تعرف الاجابة حينما تتأمل كتابات الغرب العلماني التي قفزت هي الأخرى عن تلك الحقبة الزمنية، لأنها حقبة دينية مسيحية – اسلامية، لكنهم واقعيا، أي الغربيون لم يقفزوا تجاوزا لتلك الحفرة الظلامية كما يدعون، بل ساروا على جسرها المنير إسلاميا، حتى وصلوا بر الأمان، وحينها قطعوا الجسر ودمروه في كتاباتهم، ولم تسعفهم الأمانة العلمية حتى بذكر أسس العلوم التي انطلقوا منها، فنسبها البعض منهم الى نفسه ظلما وزورا، ثم أنهم أناموا صغار العقول على هذه الأحجية، أنهم بقتلهم للدين والظلام تقدموا، وأن على هؤلاء الصغار والبيادق المشتتين في بقاع العالم الاسلامي، العمل على قتل الدين من أجل هذه القفزة التاريخية الكبرى، حتى يتسنى لهم الالتحاق بركب التطور، والانعتاق من الظلام.

لو تسنى لهؤلاء إعمال المنطق لعلموا أن حمولة التراث الاغريقي، إن كان ثقيلا فلا بد له من جسر رصين منير، ومراقبة وتحقيق واضافة وتطوير، كي يصل من حضارة أثينا الى حضارة الغرب الحديثة، بعد مسافة تقدر بأكثر من 1500 سنة، وأن القفز بتلك الحمولة الثقيلة لا يجوز منطقيا، وإلا هذا يستدعي تساؤلات عن كنه من حفظ هذا الإرث الاغريقي؟ من استوعبه؟ من أحياه؟ هل وجدت أوروبا هذا الإرث صدفة مهملا؟ أم أن يدا من التاريخ متحضرة رعته، طورته، أضافت ونقحت؟

عدم وجود يد حضارية غير الأوروبيين تملأ الفراغ بين حضارتي الاغريق وعصر النهضة، هو ضرب من الجنون، فلا يمكن لحضارة أن تموت إلا وقد تركت إرثها لأخرى، عدم وجود هذه الحضارة او إنكارها ينكر حمولة وثقل الإرث الاغريقي، ويصفه بالخفة القابلة للنقل، دون الحاجة لحضارة سابقة او بينية بين اوروبيي النهضة وحضارة الاغريق.

إذن إنكار وجود خضارة للمسلمين يضرب حضارة الاغريق في ثقلها، ويحيل الألباب الى اعتبار أنها كانت خفيفة المحمل، لا تحتاج الى واسطة، للقفز بحمولتها دون المرور بذلك الجسر الحضاري الاسلامي، لكن هل خفة الحمولة تلك كانت قادرة لتنتشل اوروبا من ذلك السبات؟ كل العقول العاقلة تنفي ذلك، إلا من أرخى السمع لأحجية الغرب ونام عليها.
إذن الاستنتاج الصحيح وانسجاما مع المنطق الغربي، فهناك فعلا وجود ثقل حضاري اغريقي بل وشرقي ايضا يضم عديد الحضارات التي سبقت او تزامنت مع اليونانيين، لكن مجموع تلك الحضارات كانت تحتاج الى وسيط حضاري قائم بذاته، كان جسرا قويا متينا في الوصل بين الحضارات الاغريقية والشرقية بالحضارة الغربية الحالية.

طبعا الحضارة الإسلامية لم تكن جسرا فقط، بل تمنطقنا فقط مع آراء الغرب وترهاته، حتى نبين خلله المنطقي، الحضارة الإسلامية كانت حضارة قائمة بذاتها، انطلقت بخلفياتها الدينية مصححة لتراث القدامى، منقحة له، حتى أشرقت بمعمور أخاذ، وفكر ثاقب، وعلم ناضج، وشعر وآداب وفنون تسر السامعين وتسلب الألباب ببديع صنعها وخيالها.

الحضارة الإسلامية لبنة من لبنات تطور البشرية، والمنطق يقول ان اللبنات الحضارية وجب تراصها والتقاء بعضها ببعض، لإزالة الفجوات الهادمة للبناء البشري، إن الغرب الذي يحذف لبنة الحضارة الاسلامية من توجهه وتفاعله، كمن يبني لبنات تطوره على الخواء، فهو يبني حضارته متوهما أنه بناها على أساس لبنة إغريقية، ثم يترك فجوة من التاريخ كبيرة، فيبني لبنة اخرى غربية، لكم ان تسألوا أي محترف بناء هل هذا البناء يستقيم؟

الأوروبيون لم يقفزوا بالموجود الإسلامي حين عصور النهضة ليتقدموا، بل أخذوا الموجود الإسلامي ووضعوه على أسس هويتهم وثراتهم الاغريقي والرومي، وجعلوه جسرا حضاريا، ثم لما وصلوا بر الأمان، أنكروا الجسر ونبذوه حفاظا على هوياتهم، وبهذا تقدموا ولا زالوا يواصلون التقدم بأسمائهم وهوياتهم، ولو لم ينكروه لكان الأوروبيون ذابوا في هوية المسلمين وأصبحت أوروبا جلها مسلمة، وكان تقدمهم لا يزال يصب في بحر الحضارة الاسلامية، لا خارجا عنها، ولما كنا سنسمع بالحضارة الغربية قط.

نحن للأسف أثقلنا كواهلنا بالمنقول الغربي، ونريد تجاوز حفرة التخلف قفزا دون الرجوع الى الوراء، والتقوي بالهوية، نريد القفز بأرجل وركب ضعاف، لا تستند الى دين قويم موحد ولا الى تراث مغربل منقح، لهذا كلما قفزنا وجدنا ذواتنا في ذات حفرة الجهل والضياع، ولم نفكر ان نعتمد حضارة الغرب جسرا حضاريا فقط، نحمل فيه حمولتنا وقيمنا وتراثنا الزاخر ولا نرميه ونذروه في ماضينا، حتى اذا ما وصلنا بر الأمان، أقلعنا بهوياتنا لا بهويات وأسماء الآخرين، وعدنا بحضارتنا مجددا، ولم نكن في حضارة الغرب ذائبين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق